لنر إلى أي حد تصمد تلك التوقعات، أمام الأمور على أرض الواقع، من وجهة نظر قاصرة لعابر سبيل من عوام الناس.
جيفري هينتون تخصصه علوم حاسبات، في عام 2024 حصل على جائزة نوبل في ماذا؟ في الفيزياء. أذكر تماما الضجة التي حصلت حينها وخصوصا في أوساط أساتذة الفيزياء ، مجمل قولهم : أين الفيزياء في نوبل للفيزياء؟
جوائز نوبل ليس من ضمنها جائزة مخصصة لعلوم الحاسوب أو الذكاء الاصطناعي، وكان تبرير لجنة جائزة نوبل أن هنتون وشريكه في الجائزة طورا "أدوات ذكاء اصطناعي" استخدمت في أبحاث فيزيائية. وتعجبت واستغربت لذلك التبرير.
إسحق نيوتن المعروف بإنه من أهم الفيزيائيين في تاريخ الفيزياء ، طور حساب التفاضل والتكامل (مع إن هناك تضارب أقوال الى الآن حول من بدأ بفكرة التفاضل والتكامل هل كان نيوتن أم ليبنتز، واستقر حكم لجنة العلوم البريطانية حينها على نيوتن، وبالمناسبة من أعضاء اللجنة أو ربما حتى رئيسها كان نيوتن، من المضحك المبكي أن يكون هو الخصم والحكم، ما علينا، المفارقات والعجائب كثيرة في تاريخ العلوم المعاصرة، موضوع آخر) المهم أن التفاضل والتكامل أستخدم كأداة مهمة في تنظير بعض المفاهيم الفيزيائية. طيب، أين تجد تفاصيل حساب التفاضل والتكامل؟ في كتب الفيزياء أم في كتب الرياضيات؟ أكيد في كتب الرياضيات ، ضمن الأدوات المستخدمة في مختلف مجالات العلوم المعاصرة، فيزياء أو غيرها.
فكانت نقطة انتقاد قوية أثارها بعض الفيزيائيين: بأي وجه أعطيتم نوبل للفيزياء لهينتون؟؟
الأدهى من ذلك ، أن نفس الشيء حصل في جائزة نوبل للكيمياء في نفس السنة 2024 ، أعطيت أيضا لاستخدام أدوات الذكاء الصناعي في تحليل مسائل كيميائية.
أذكر أن بعض نظريات المؤامرة ظهرت أيامها حول وجود محاباة وطبطبة وتشجيع ودعاية ووو إلخ لرفع مستوى الاهتمام الشعبي العالمي بإبراز تطبيقات الذكاء الاصطناعي الوليد، في مجالات العلوم المعاصرة.
ولا ننسى أن هينتون فخور بلقب "أبو الذكاء الاصطناعي" ، وعليه فكل ما يقوله يجب أن ينصت إليه ، إلخ.
طيب آراء هينتون مبنية على المنصة الحالية التي تقف عليها نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية وتعرف "بنموذج اللغة الكبير" Large Language Model أو LLM اختصارا، وهو يدافع عنها بضراوة كل ما اثيرت أي انتقادات من اقرانه حولها. المهم أن على التطور المستقبلي لتلك المنصة يرتكز الحديث عن نهاية العالم على يد الذكاء الاصطناعي.
طيب، هناك أستاذة إسمها "فيفي لي" تعرف بلقب "عرابة الذكاء الاصطناعي" وهناك أيضا أستاذ آخر كان رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في فيسبوك اسمه "يان ليكون" (فضلا البحث لمعرفة المزيد عنهما) وهما لا يقلان قدرا عن جيفري هينتون، وهما أيضا ممن ينصت إليهما حين يتحدثان عن الذكاء الاصطناعي. فماذا يقولان؟ يقولان أن الطريق مسدود أمام تطور نماذج الذكاء الحالية LLM وأنها لن توصل إلى الحلم الكبير المنتظر وهو الذكاء الاصطناعي العام AGI. ويقترحان كبديل ما يسمى بـ
Spatial AI Models أو النماذج التي تعمل "مسح" للمعلومات عن الحيز أو الفضاء أو المكان ، بدلا من ما تقوم به نماذج اللغة الكبيرة LLM والتي تقتصر فيه المعلومات المستقاة عن الواقع على النصوص المكتوبة فقط، وتحاول التنبوء بناء على ما تم استيعابه من النصوص. وفرضا لو تم تخزين كل ما كتب في قواعد المعلومات ، فالعالم ليس ما يكتب فقط بل أوسع بكثير. هناك مفاهيم كثيرة يستخدمها البشر مثل الإيماءات أو أمور مفهومة غير مكتوبة ولم تسجل ولن يأخذها نموذج الـ LLM في الاعتبار. هناك عالم متعدد الأبعاد له قوانين فيزيائية لم تؤخذ في الاعتبار في ذلك النموذج ولا يعرف عنها إلا في حدود ما هو مكتوب فقط. إلخ. المتوقع أن يكون لذلك المسار نتائج مختلفة. ولكن أولا، مجرد ظهور هذا التوجه يعد انشقاقا عن النموذج الحالي وتشتيتا للاستثمارات الموجهة لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي. ثانيا، النموذج المقترح لن يخرج مهما كان ومهما تطور عن الحدود الهيكلية للعلوم المعاصرة. بل وحتى لو تخيلنا مزج النموذجين معا، فلا تزال تلك الحدود ماثلة ومتحكمة فيما يمكن أن يصل إليه البشر.
فهذا أول تشكيك في مدى واقعية كلام هينتون وكوكسون حول توقعاتهما بقدرات الذكاء الاصطناعي.
التشكيك الثاني:
المحذرين من "خطورة الذكاء الاصطناعي" يرون إمكانية استقلال الذكاء الاصطناعي عن البشر ، فعلام يستندون؟ على أنه سيمكنه تطوير نفسه وإعادة برمجة نفسه دون الحاجة إلى بشر.
لكن هناك مشكلتان حول تلك النقطة.
1- برمجيات خالية من الأخطاء هي شيء خيالي أو وهم. هذه الناحية توضحها بشكل صريح رخص استخدام البرمجيات كلها منذ نشأة البرامج التجارية أو غير التجارية، وحتى الآن ، بما فيها برمجيات الذكاء الاصطناعي. ستجد دائما بندا في رخصة الاستخدام يجنب شركة البرمجيات أي عواقب نتيجة ظهور اخطاء في البرنامج.
بالاضافة إلى أني أذكر أني قرأت أن أولى تطبيقات لغات البرمجة بشكل نظري (لأنها تمت قبل اختراع الحاسوب)، كانت في الحقيقة لبيان عدم امكانية التخلص من الاخطاء المنطقية.
2- النماذج العقلانية المستخدمة لتصميم أي نماذج للذكاء الاصطناعي ، حالها حال النماذج العلمية المعاصرة ، لم ولن تكون مكتملة ولن تخلو من افتراضات تحكمية متراكمة ، ولا حل لذلك لا الآن ولا مستقبلا.
فالخلل إذا هيكلي أصيل في البرمجيات عموما وفي برمجيات الذكاء الاصطناعي خصوصا، ولا يمكن التخلص منها. فوصول المخلوق إلى النموذج الكامل القائم بذاته وهم محض.
التشكيك الثالث:
إثر حصول هينتون على جائزة نوبل حصلت معه طبعا لقاءات صحفية عديدة. اذكر وفي أكثر من لقاء إثارة مشكلة الهلوسة والتوقعات الخاطئة لمنصات الذكاء الاصطناعي، وأن الطرق الاحصائية التي يتم استخدامها بكثافة في تلك النماذج لها جوانب ضعف معروفة لا يمكن إغفالها. فكان ببساطة ينحي كل الانتقادات جانبا ويؤكد أننا نتحدث عن كيانات عاقلة واعية ، حتى انتهى مؤخرا بقوله "نحن نخلق كائنات واعية"، و يقابل كلامه كلام الاستاذ روجر بينروز (الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء في عام 2020، وهو رجل لطيف ومهذب جدا في كلامه، و أذكر أنه سئل عن رأيه حول منح نوبل في الفيزيا عام 2024 في موضوع الذكاء الاصطناعي، و أنه تجنب الجواب المباشر وركز على تجنب إثارة أي نقاط عن هيبة ورصانة لجنة نوبل) وبينروز يقول أنه لا يصح أصلا أن يطلق إسم ذكاء على "الذكاء الاصطناعي" ، لأن الذكاء يحتاج إلى وعي ولا وعي أصلا لبرمجيات الذكاء الاصطناعي، ولا هم يحزنون.
ومن حسن الحظ أن البيئة العلمية المعاصرة فيها حصافة ودقة في االتعبير حول حدود معرفة البشر.
هناك حدود بسبب الطرق الاحصائية
هنا حدود بسبب عدم ضمان خلو البرمجيات من أخطاء Bugs
هناك حدود للنمذجة والنماذج التي يمكن أن يطورها البشر
هناك حدود للتفكير العقلاني البشري نفسه
لا أعتقد أن من الحكمة إقصاء أو التقليل من شأن حدود وجوانب ضعف معروفة ومجمع عليها في العلوم البشرية. أرى في ذلك التصرف جرأة عجيبة وفي غير محلها.
ترى هل يصح التنصل من تلك الحدود والجوانب وإغفالها واقصاءها جانبا وزعم إمكانية الوصول إلى فهم واقعي لموضوع ما؟
* لنأخذ معاملة علم الإحصاء بشكل غير جدي، كمثال لتجنب الحكمة في تقدير الأمور.
التعبيرات الرياضية عن الظواهر تمثل أفضل تعبير إنساني ممكن عن تلك الظواهر. ولكننا نعلم أن تعبيراتنا البشرية غير كاملة وغير مطابقة تماما للواقع على ماهو عليه، وافتراض كمالها وهم محض. فهناك ولن تزال فجوة بين رؤية ما وبين الواقع على ماهو عليه. ثم هناك فجوة بين تلك الرؤية وقدرتنا على التعبير عنها. فضلا ملاحظة أن نماذج اللغة الكبيرة منحصرة فيما تراه على جزء فقط من المستوى الأدنى من التجربة الإنسانية وهو مستوى التعبير المكتوب.
المهم، التعبير الرياضي المكتوب لا يطابق الواقع وإلا لما احتجنا لعلم الإحصاء ليساعدنا على معرفة مدى اقتراب نموذجنا الرياضي من الواقع. فالرياضيات مستوى غير كافي، والنموذج الاحصائي بمحاولته لقياس تقريبي عن مدى الصحة المرجوة في النموذج الرياضي يضيف مستوى آخر من الظن وعدم الوضوح.
وهناك دائما وبدون استثناء ما يسمى بحد الخطأ ، ويمثل العوامل المجهولة التي لم تؤخذ في الاعتبار في محاولة التمثيل الرياضي لظاهرة ما. حد الخطأ هو مثل ثغرة في جدار ، لا يمكن سدها ولا إخفاءها ولا تجاهلها. يمكننا زعم أنها ليست مهمة ولا خطيرة، ولكن يظل ذلك مجرد زعم واقتراح فقط. لأن ما تمثله تلك الثغرة مجهول لنا.
الآن الطرق الاحصائية وخاصة ما يسمى بـ Curve Fitting تستخدم بكثافة هائلة في الطبقة البرمجية من نماذج الذكاء الاصطناعي. تخيلوا حجم حدود الخطأ المتراكمة في تلك الأنظمة. فإذا أضيفت حدود الرياضيات إلى حدود الإحصاء إلى حدود النماذج إلى حدود البيانات المتاحة، ما الذي سيحصل يا ترى؟ نتائج نتوقعها ونتائج غير معروفة المعالم تماما. وهذا هو الأمر الواقع، لنعترف به ونقف عند حد ذلك.
المشكلة ، بدلا من الاعتراف بذلك ، ستجد من خبرائهم من يقول لك أن هناك "غموضا" وأننا لا نعرف دائما كيف يصل نموذج ما الى النتائج، ثم يستخدم ذلك كمرتكز لتلميح أن النموذج قد يكون له عقل مستقل يفكر لنفسه. وأذكر تعليقات من قبل أساتذة في الذكاء الاصطناعي وفي الرياضيات حول موضوع "الغموض المزعوم"، قائلين أن ليس هناك أي غموض حول الأدوات المستخدمة وكيفية استخدامها وكيفية بناء النماذج.
وموضوع الغموض أثير علنا أمام شخصيات دينية وفلسفية في مؤتمر عالمي في الغرب قبل بضعة أشهر، وطلب نائب رئيس شركة ذكاء اصطناعي معروفة منهم المساعدة على تفسير "ما قمنا بانتاجه ولا نعرف ماهيته". يا سلام. ليس عندي ما أقول سوى يا للسذاجة التي يفترضونها في المستمعين ، حينئذ.
وينبغي التنبيه هنا إلى أن الأمر في نظري متعلق بمحاولة رسم صورة ما لمنتج أو خدمة ما في ذهن المستهلك بغرض التسويق لها، فهذا ما يتعلمه الطلاب في دروس التسويق. وفي مجال الذكاء الاصطناعي تتم الأمور باحتراف وعمق غير مسبوقين في رأيي، إذ لا أذكر أن كان للنقاش الفلسفي دور في سياسات التسويق من قبل.
الخلاصة،جوانب القصور والضعف في الوعي البشري لن تنتهي. فهل يليق بأحدنا أن يلقي بذلك جانبا ويطلب منا تجاهل ذلك، لأنه حصل على جائزة نوبل مثلا؟؟
ملاحظات ختامية:
* التواضع والغرور من السمات الأساسية في البشر منذ نشأة البشرية ، نراها بوضوح في قصة هابيل وقابيل مثلا.
عكس التواضع العلمي هو الاغترار الزائف بالتمكن في مجال علمي ما.
قال تعالى في الآية 24 من سورة يونس:
"حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس"
ترى هل تشير الآية أيضا إلى النتائج المحتملة لإغترار الانسان بعلمه القليل وإغفاله لجوانب ضعفه المعرفية؟؟
مرة أخرى، من حسن الحظ في زمننا هذا أن التواضع العلمي لا يزال موجودا وهو الغالب في ظني، حتى لو ظهرت حالات شاذة.
* أتفق مع بينروز بأن التسمية خاطئة من أساسها ، فليس هناك "ذكاء" اصطناعي ولا "وعي" اصطناعي. مجال علوم الحاسوب يتطور بشكل عادي منذ نشأته، وهو في أساسه عن الأتممة Automation لوظائف معينة. وما يحصل هو تحسين مستمر للأتممة وهذا شيء متوقع ولا يستحق كل تلك المبالغات في الدعاية حولها، حتى يصل إلى ما يشبه الهوس باستخدام أوصاف إنسانية روحانية في أساسها ولانعرف عنها الكثير أصلا، وحتى اليوم (فضلا انظر مقالة "الذكاء الاصطناعي :نحو نظرة واقعية" هنا).
وهنا قد تفرض بعض التساؤلات نفسها:
لم ذلك "الهوس" في محاولة إضفاء هالة مصطنعة حول الذكاء الاصطناعي ووصفه بما ليس فيه؟
ذلك التغاضي المستغرب عن الموقف المعتدل للعلوم المعاصرة (فضلا انظر مقالة "عدم اليقين - سياج محيط بالعلوم المعاصرة، لا يمكن تجاوزه أو تجاهله" هنا) بل وتنحيته جانبا ببساطة، في سبيل التأكيد على صورة مفترضة معينة للذكاء الاصطناعي ، ما سببه؟
هل هناك جانب اعتقادي يسعى جاهدا للظهور محاولا التستر وراء المنهج العلمي والبحث العلمي؟ (فضلا انظر مقالة "اليوجا، العلوم المعاصرة، والمنهج العلمي الإسلامي" هنا)) .
أيا كان السبب، برأيي أن مثل تلك المبالغات كان لها جانب سلبي تبين في ظهور نظريات مؤامرة تبسيطية متعددة حول "الذكاء الاصطناعي" ومستقبله، ولا أظن انها كانت ستظهر بنفس الانتشار لولا مبالغات بعض العاملين في الذكاء الاصطناعي.
* الاهتمام العالمي بـ "سيناريوهات نهاية العالم"
هناك اهتمام غير عادي في السنوات الأخيرة، و في مختلف المجتمعات والثقافات ، بموضوع "نهاية العالم" . ترى هل تكون فكرة "نهاية العالم على يد الذكاء الاصطناعي" التي نشأت في هذه الخلفية، متأثرة بها، ومجرد إضافة لسيناريو محتمل؟
وفي أي حال، ما الموقف الإيماني منها؟ ، حتى نوفر على خبراء الذكاء الاصطناعي مؤونة البحث عن كيف يرى المؤمن "نهاية العالم"، أيا كان ما سيحصل على وجه التحديد، ولن يكون إلا حسب ما قضاه الله وقدره "من قبل أن نبرأها".
أولا، بالنسبة لنا فالإيمان بالله والتوكل على الله والاستعانة بالله أمور هي محور حياة المؤمن، سواء كنا في "أول الزمان" أو "آخر الزمان" أو في أي زمان.
ثانيا، حديث زرع الفسيلة يوضح النظرة الإيمانية المتزنة الحكيمة الإيجابية للحياة في هذه الدنيا، حتى لو وصلنا إلى آخر محطة فيها.
ثالثا، "نهاية العالم" ليست إلا نهاية الحياة في هذه الدنيا، وليست نهاية الوجود، فنحن نؤمن بالآخرة أيضا.
* الآراء حول "نهاية العالم على يد الذكاء الاصطناعي" رأيتها من قبل خلال السنوات السابقة، ولم آبه لها كثيرا لاعتقادي أن فيها ثغرات واضحة. ولم أكتب هذه المقالة إلا حين رأيت اهتماما غير عادي بمثل تلك الآراء. وأرجو أن أكون قد ساهمت في توضيح الصورة.
* أختم بطرفة. قال جرير مرة ساخرا من شجاعة وإقدام الفرزدق:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا
فابشر بطول سلامة يا مربع
وسأحرف البيت وأقول:
زعم بعض خبراء الذكاء الاصطناعي أن الذكاء الاصطناعي سيقتل مربعا
فابشر بطول سلامة يا مربع
وسلامتكم.