Thursday, September 24, 2009

عدم اليقين - سياج محيط بالعلوم المعاصرة، لا يمكن تجاوزه أو تجاهله

عدم اليقين - سياج محيط بالعلوم المعاصرة، لا يمكن تجاوزه أو تجاهله

 

(ملحوظة في 5-9-2026:
فيما يلي مشاركات لأخيكم في منتديات توقفت منذ سنين، بعد ظهور وسائل التواصل الحالية مثل الفيس بوك و تويتر وغيرها. واحتفظت ببعض تلك المشاركات، فيما يلي بعضها. وهذه المجموعة نشرت في الربع الأخير من عام 2009.
المشاركات نشرت قبل 17 سنة ومعظم الروابط أدناه قد لا تعمل، فأرجو المعذرة.)

 

هناك فلم وثائقي من انتاج قناة البي بي سي الرابعة بعنوان Dangerous Knowledge أو "المعرفة الخطرة". وأظن أن المعلومات الواردة في الفلم مهمة وأنها تلخص الموقف الحالي في العلوم المعاصرة حول الحيرة واليقين.

مقاطع من مقدمة الفلم:

"وراء ما يظهر من العالم هناك قواعد علمية، ولكن تحتها وعلى عمق كبير، هناك مجموعة قواعد عبارة عن شبكة [أو أرضية] من الرياضيات البحتة التي تشرح طبيعة قواعد العلم وكيف نفهم تلك القواعد أساسا."

"هذا الفلم هو عن كيف تمكنت مجموعة صغيرة من ألمع العقول من نقض فهم كان قد استقر وارتاح إليه واعتاد عليه الكثيرون بخصوص الرياضيات والكون... ونحن نقف اليوم على عتبة العالم الذي رأوه."

مقاطع من نهاية الفلم:

"في بداية قصة هذا الفلم رأينا كيف كان كانتور يأمل أن يجد في أعمق مستوى في الرياضايات أنها تستند على يقينيات.. ولكنه بدلا من ذلك وجد أنها تقف على عدم اليقين، وهو ما أثبت جويدل و تورينج أنه [عدم اليقين] لا يمكن التخلص منه، وأنه جزء لا يتجزأ من أساس الرياضيات والمنطق".

"ما كان يعتبر تقريبا مساو [في قوته] للعقيدة الدينية [بالنسبة للمتدينين] بأن هناك منطق متكامل [أو محكم] يحكم عالم اليقينيات [بالنسبة للعلماء الطبيعيين] تم نقضه."
"فالمنطق بين حدود المنطق، والبحث عن اليقين أدى إلى الوصول إلى عدم اليقين."
ثم يقر أحد ضيوف البرنامج "بأن معرفتنا ستظل محدودة وغير كاملة لأننا محدودون وغير كاملين".


يتحدث الفلم عن أربعة من أبرز العلماء في نهاية القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين هم كانتور، بولتسمان، جويدل، وتورينج.
حسب ما فهمت فقد تميز الأربعة بإصرارهم على معارضة الفهم المنتشر والمترسخ بين معاصريهم من العلماء حول "اليقين" سواء في الرياضيات أو المنطق أو الفيزياء وهي مجالات قد ظن الكثير أن لها أسسا يقينية صلبة راسخة أو على الأقل أن الوصول إلى مثل تلك الأسس مسألة وقت مع تطور الفلسفة العلمية، ولكن تبين بسبب جهود مثل جهود العلماء الأربعة، أن ليس فقط أن العلوم المعاصرة لا تقف على أساس من الموضوعية المطلقة أو لها أرضية متجانسة تجانسا منطقيا تاما وبدون تدخل تحكمي، بل أن الوصول إلى مثل ذلك الهدف مستحيل.
سبب تسمية الفلم بالمعرفة الخطرة أن توصل الأربعة إلى النتائج التي كتبوها ونشروها أدى إلى وصولهم إلى حالة نفسية صعبة بسبب ضرواة المعارضة التي جابهتهم (بسبب تشكيكهم في أسس اليقين العلمي) من جهة، وبسبب الحيرة الشديدة التي أوقعتهم فيها نتائج أبحاثهم العلمية. ولكن النتائج التي وصلوا إليها هي التي وجد العلماء المعاصرون لاحقا أن لا مناص من التسليم بها.

من النقاط التي لفتت نظري:
- قرب نهاية الفيديو: جويدل وصديقه أينشتاين كانا موقنان بأن من الممكن معرفة أمور خارج حدود المنطق... بالحدس"... "ولكنه لم يتمكن من إثبات ذلك منطقيا"

 

*
سأحاول فيما يلي عرض خلفية مختصرة للموضوع، في حدود فهمي، لبيان أهمية التطورات التي تحدث عنها الفلم. والمسألة وإن كانت خاصة بالبيئة الغربية، إلا أن أهميتها في أن للتطور الفكري الغربي أثر كان ولا يزال قويا على بقية العالم.

منذ بداية عصر النهضة الأوربية كانت هناك محاولات للفصل بين الدين والعلم واستمر الابتعاد التدريجي عن الدين ثم تبلور إلى هجوم واسع النطاق في القرن التاسع عشر على كل ما هو ديني. وتدريجيا في الوسط العلمي، حل مكان اليقين بوجود خالق يدبر أمر الوجود، يقين بالقدرة على فهم الكون على أساس رياضي منطقي مادي طبيعي يمكن بناء عليه تفسير أي ظاهرة وفهم أي مسألة قد ترد دون الحاجة إلى الدين ومعتقداته. ومن هنا تبرز خطورة نقض أساس اليقين العلمي بالنسبة لمن ظن أن لديه أساسا قويا يستند إليه فكريا، وسبب المقاومة القوية التي واجهت العلماء المذكورين الذين كان جهدهم هزة للادينيين في الوسط العلمي.

طيب بعد اتضاح الصورة ما الذي حصل؟ هل أدى الاقتناع بعدم وجود اليقينيات في القواعد العلمية والمنطقية والاقرار بحدود التفكير العقلي البشري إلى البحث عن حاجة الإنسان إلى موجد لهذا العقل البشري؟ تساؤل مهم، وما فهمته هو أن التوجه العام في الوسط العلمي الغربي هو القبول بعدم اليقين كأمر واقع، والقناعة بعدم إمكانية الوصول إلى أسس يقينية صلبة لفهم الكون. ولكن مثل هذا الموقف لا علاقة له بالنسبة للعلماء اللادينيين (ويمثلون أغلب العلماء المعاصرين) بالرجوع إلى الدين، وصارت اللاأدرية الموقف المنتشر بينهم.

الملاحظ بوضوح خفوت صوتهم تجاه الدين والتدين، مقارنة بالقرن التاسع عشر، فلم يعد بإمكانهم التباهي والادعاء بأنهم على أرض صلبة، أو تبني المنصفين منهم للإلحاد الصرف، فمثل تلك الأمور لا تتماشى مع التطورات في الفكر العلمي.

 

*

ملحوظة حول كيف يحاول اللادينيون استخدام مسألة عدم اليقين العلمي ضد المتدينين.

البريطاني ريتشارد داوكنز من أشد المدافعين المعاصرين عن نظرية داروين حول النشوء والارتقاء (يلقب في بلاده بكلب داروين الأليف، ويبدو أنه لا يمانع بل وأنه يحب ذلك اللقب). وهو لا يخفي أنه ملحد ولكنه حين يتكلم بلسان العلم الحديث يدرك أنه لا يستطيع إلا أن يعرض رأيه في صيغة احتمالية فقط. وفي كتابه عن عدم وجود الخالق كانت أقوى عبارة أمكنه استخدامها في استدلالاته هي "تقريبا مؤكد" "almost certainly" . أما تعبيرات اليقين المطلق فلا تستقيم مع التعبير العلمي المعاصر الذي تطورت فلسفته في اتجاه يبدو أنه خالف ما أراده وتمناه الملاحدة في القرن التاسع عشر.


من الواضح تغير لهجة الملاحدة، فمن الألفاظ والتعبيرات التي لا يبدو أن قائليها (أمثال ماركس ونيتشة ودوركهايم) كان لديهم أدنى تردد في يقينهم بصحتها، صار الملحد الجلد اليوم لا يستطيع أن يقول أكثر من "تقريبا مؤكد".

رأيت محاضرة للدكتور داوكنز على يوتيوب يتحدث فيها عن "تواضع" العلماء المعاصرين حين لا يقطعون بأمر ما في مقابل "صلف وغرور" المتدينين الذين لا يقبلون أن ينهجوا نفس النهج.
أمنت بالله. بعد أن خاب سعيهم في الوقوف على أرضية متينة صلبة راسخة، صار مجرد ذكر ذلك الهدف ينم عن صلف وغرور بينما الشك والظنون تدل على الأخلاق والتواضع. وهكذا بكل بساطة يصبح من الممكن عند من يحسبون أنفسهم أذكياء، تعميم تجربتهم على جميع التجارب الإنسانية، وحصر ما يمكن أن يعلم بسياج علومهم البشرية الدنيوية.

لا أحد يدري يقينا أين سيتجه تطور الفلسفة العلمية في المستقبل. فقد بدأت العلوم قديما في مختلف الشعوب ولها علاقة وثيقة بالمفاهيم الدينية، وحصل الفصل القسري بين الدين والعلم بقيادة الغرب، ومع استمرار محاولة البعد عن الدين إلا أن عامل اليقين غير الكامل يبقي الباب مفتوحا لتطورات قد لا تكون متوقعة بالنسبة للعلماء اللادينيين كما كان عدم اليقين العلمي غير متوقعا بالنسبة لهم،
ومن يدري ... ربما لا يجب أن نستبعد دخول جوانب دينية مرة أخرى في العلوم الدينوية ... من أوسع الأبواب.

 

اضغط هنا

رابط الجزء الأول (من ثلاثة أجزاء) لمحاضرة داوكنز التي تحدثت عنها في المشاركة السابقة.
المحاضرة بعنوان "The Arrogant Certainty Of Science" وتعني تقريبا: "اليقين المتعجرف للعلم"،
طبعا العنوان مضلل ومقصود به السخرية الصريحة باليقين لدى المتدينين. إذ غرضه أن يصل إلى القول: "انظروا ليس في العلم يقين متعجرف مثلما لدى المتدينين".

مع ملاحظة أنه في بداية الجزء الثاني من المحاضرة يقرر أنه يدرك أن هناك أمور لا يمكن للعلماء فهمها في الوقت الحالي (عند مستوى المعرفة والتحليل العقلاني الحالي ولكن ربما يفهمونها مستقبلا) وهناك أمور لا يمكن للعقل، سواء كان العاقل يعيش الآن أو مستقبلا، فهمها (يبدو أنه يقصد أنها خارج حدود التفكير العقلاني مطلقا).

 

اضغط هنا

رابط لمقطع فيديو قصير يجيب فيه داوكنز عن سؤال حول الموقف العلمي المعاصر من إثبات وجود الخالق،
فيقول تقريبا ما معناه : لا يمكننا أن نثبت عدم وجود الخالق، ولكن وجوده بعيد الاحتمال.
ومهم أن نلاحظ كلامه هذا لأنه كما فهمت تتبناه نسبة كبيرة من العلماء الغربيين المعاصرين.
بالمناسبة، بعض المواقع تصف داوكنز بأنه لاأدري ولكن معظمها تقول أنه ملحد. الملاحظ أن سلوكياته وتعبيراته خارج نطاق الإلقاء العلمي تشير إلى أنه ملحد، ولكن حين يتحدث أمام العلماء فتعبيراته لا تخرج عادة عن إطار اللاأدرية.

 

ملحوظة: العلم الحديث في حد ذاته ليس محل الانتقاد هنا (وإن كانت على المنهج العلمي المعاصر ملاحظات كثيرة ولكن ليس الموضوع الحالي مكان نقاشها) بل محل الانتقاد هو محاولة استخدامه واستغلاله من قبل بعض اللادينيين ممن يحاولون التستر وراءه وإيهام الناس بأنه يؤيد وجهة نظرهم الطبيعية المادية حول طبيعة وأصل الوجود. من هنا تظهر في رأيي أهمية فهم قواعد العلم بدون مبالغة وبدون استخفاف، والتنبيه بأنه حتى العلم المعاصر ومنهجه الحالي (على الأقل لأنه الموجود والمقبول بصفة عامة إلى أن يشاء الله تغير الأمور) ليس رهين فكرهم ومعتقدهم حول طبيعة وأصل الوجود.
(من النقاط المهمة في نقاش هذا الموضوع تقرير بداهة أن المعلومات عن الواقع، على ما هو عليه، ليست أسيرة لمسلمات معينة أو لنظريات وتفسيرات محددة لا غير.)

*
ربما لاحظ بعض الإخوة أني تحدثت في عدة مشاركات في مواضيع سابقة عن أهمية فهم العلوم المعاصرة واصررت مرارا على إيضاح أن أي معلومات تشير إلى "قطعية" أو "يقينية" تلك العلوم هي معلومات غير صحيحة وفيها مبالغة ينبغي التنبه لها. وفي نفس الوقت يجب أيضا التنبه إلى عدم الاستخفاف بتلك العلوم وجوانبها المفيدة التي لا تخفى. وأرجو أن يكون قد تبين من الحديث عن عدم اليقين العلمي في هذا الموضوع، أهمية إبراز وإيضاح هذه النقطة إيضاحا تاما. إذ لا أظن أن المبالغة أو الاستخفاف بالانجازات العلمية سيجديان عند الحوار مع اللادينيين المتمترسين وراء العلوم المعاصرة التي يفهمونها تماما، وأعتقد أن من المهم أن لا نتجاهل أن فيهم أذكياء نابهون، ولكن الله يهدي من يشاء، نسأل الله السلامة وحسن الخاتمة.

أخوكم أحد الملايين المغمورين من عامة الناس الذين أتاحت لهم مواقع شبكة الانترنت، بما فيها منتدانا المبارك، فرصة التعبير عن أرائهم. فإن كانت هناك فائدة فيما أشارك فالحمدلله والمعلومات أصلا موجودة ومتاحة للجميع ولم أضف إليها أي جديد، وإن كانت هناك أخطاء فمني وجزى الله خيرا من ينبهني.

 

------------------


اضغط هنا
نشرت النيوزويك الأمريكية الشهر الماضي مقابلة مع داوكنز حول كتابه الجديد "أعظم عرض على كوكب الأرض" مدافعا فيه مرة أخرى عن نظرية داروين. وعنوان المقالة: "لِمَ ينزعج الملحد ريتشارد داوكنز من القائلين بفكرة الخلق ( Creationists )" ثم عنوان آخر: "كلب داروين يعلق على علاقاته المتوترة مع أولئك الذين يؤمنون بالله."

والكلب المعني هو من فصيلة معينة وهي Rottweiler (ولمزيد من المعلومات عنه اضغط هنا ) وبالمناسبة ما فهمته أن داوكنز لا يرى أن اللقب سلبي ربما لأن الكلب عندهم حيوان أليف ووفي ومخلص إلى آخر ما هنالك، ولا يعتقدون أن فيه نجاسة كما هو الحال عندنا ولا هو من الأنعام التي يؤكل لحمها كما عند الكوريين. (أذكر قصة قرأتها عن سائح غربي زار كوريا فاستاء من رؤية الكلاب المسلوخة والمعلقة في حوانيت اللحامين. فقال لأحدهم أن رؤية الكلاب بهذه الصورة تكدره، فأجابه اللحام الكوري: وهل تعرف رأي الهندوس في حبكم لأكل لحم البقر؟ فسكت الغربي ومضى في طريقه.)

المهم، فهمت أن داوكنز يقدم في الكتاب الجديد عرضا جديدا لترجيح كفة الرأي القائل بنظرية تطور الكائنات الحية، وفي الحقيقة ما يهمني في المقالة هو إجابته على السؤال الثالث وهو "هل هما موقفان غير متوافقين: الإيمان بالله والإيمان بتطور الكائنات؟"
حيث أجاب:
"لا، لا أعتقد أنهما غير متوافقين، على الأقل لوجود عدد من العلماء الأذكياء المتخصصين في نظرية التطور والذين يؤمنون أيضا بالله، مثل فرانسيس كولين [الذي يذكر المحرر أنه مؤمن مسيحي متخصص في الجينات أختير مؤخرا ليرأس المعاهد الوطنية للصحة] كمثال بارز. إذا من الواضح أن من الممكن أن يكون المرء كلا الاثنين [مؤمن بالله وعالم متخصص في نظرية التطور]. و يبدأ هذا الكتاب بقبول أن مثل ذلك التوافق موجود. [بينما الكتاب السابق له] "وهم [وجود] الإله" قدم نقاشا ضد ذلك التوافق حسب تفكيري [السابق]."

ما يبدو لي هو أنه في كتابه الأول لم يكن يسعى لإثبات عدم وجود الخالق فهو يدرك أن ذلك غير ممكن، بل ليشرح النقاط التي رجحت ظنه بعدم وجود الخالق (ست نقاط أثارت اهتمام المسيحيين الغربيين وتم الرد عليها من قبل عدد من المهتمين منهم بالحوار مع اللادينيين). ولكنه في نفس الوقت أصر في ذلك الكتاب على نقطة من النقاط المترسخة لدى الملحدين منذ القرن التاسع عشر وهي وجود تناقض بين العلم والدين. وظلوا مصرين على هذه النقطة حتى بعد قبولهم على مضض عدم إمكانية إثبات عدم وجود الخالق. ولكن من الواضح أنه يلزم من قبولهم لتلك النقطة عدم قدرتهم على الجزم بالتناقض بين الدين والعلم، وهو ما أقروا به أخيرا وصار مقبولا عند أغلبيتهم، وهو الموقف الذي قبله وتبناه داوكنز في كتابه الأخير.

حسب ما فهمت، يمكن تلخيص تطور موقف اللادينيين الغربيين بالانتقال أولا من اليقين بعدم وجود الخالق الى عدم اليقين بعدم وجود الخالق، ثم الانتقال من التناقض بين العلم والدين، الى امكانية التوافق بينهما. ولعل وضوح هاتين النقطتين يوفر بعض الوقت عند الحوار مع اللادينيين، إذا يمكن إحالتهم إلى المواقف المقبولة لدى الكثير منهم اليوم، والاستفادة من قبولهم بها والانتقال إلى نقاط أخرى في النقاش.

 

------------------------

 

*
اللادينيون الذين تخلوا عن القول بالتناقض أو التعارض بين الدين والعلم لم يكونوا فقط أولئك الذين اختاروا إمكانية التوافق بين المجالين كما يبدو من كلام داوكنز المقتبس في المشاركة السابقة، بل هناك رأي آخر معروف للادينيين ويمثله رأي ستيفن جولد ( اضغط هنا ) الذي قال بأن العلم والإيمان يمكنهما التواجد سوية لأن كل منهما يتناول موضوعا مستقلا ومباينا تماما، أو حسب تعبير جولد "مجالات تتناول مواضيع غير متداخلة"

 (Non-overlapping magisteria ).

داوكنز كان من المتمسكين بالقول بوجود التناقض وحين ترك ذلك الرأي لم يختر القول بامكانية تواجد المجالين مع تقرير التباين بينهما بل تجاوز ذلك إلى القول بإمكانية التوافق وهي نقلة أعتقد أنها تلفت النظر.

حسب ما يبدو لي، فملاحدة القرن التاسع عشر ظنوا أنهم انتهوا من مسألة وجود الخالق وأن التدين لن يستمر، وإذا بالتدين مستمر على ظهر الأرض وله تأثير لا يزال قائما، وإذا بأمور لم يحسبوا حسابها تظهر مثل عدم الجزم أو الوصول إلى اليقين المطلق في أمور ظنوا أنها يقينية. وتدريجيا أخذت أمور تنكشف في صلب اهتمامات العلماء ولكنها تضعف من قدرتهم على القول بالابتعاد عن الدين.

على سبيل المثال، أذكر أني قرأت عن ردود الفعل على اكتشاف أن الكون الذي نحن فيه نشأ من انفجار عظيم ولم يكن للزمان والمكان والقوانين الفيزيائية في كوننا وجود قبل ذلك الانفجار، وكان ذلك في الستينيات من القرن الماضي، بأن بعض العلماء اللادينيين حذروا حينها من أن ذلك الاكتشاف سيقوي موقف المؤمنين وأنهم سيستغلونه لصالحهم. وهو ما حصل فعلا لاحقا على يد وليم كريغ.


*
إحدى النقاط التي يرددها داوكنز أمام المتدينين المدافعين عن التصميم الحكيم للكون هي "إن كان للكون الذي نعيش فيه مصمم فمن صمم ذلك المصمم؟". وقد رد عليه الدكتور جون لينوكس (أستاذ الرياضيات والفلسفة العلمية في أوكسفورد) في مناظرته مع داوكنز حول كتابه "وهم [وجود] الإله" (اضغط هنا تسجيل صوتي للمناظرة، انظر عند الدقيقة 48:50)، مستغربا من قلة معلومات الأخير، بأن ما يُخلق أو يمكن أن يُخلق فهو من فئة المخلوقات التي خرجت إلى الوجود وليس الله الأزلي، وأشار إلى اتفاق المسلمين والمسيحيين واليهود على ذلك.

كذلك رد الدكتور وليم كريغ بأن كلام داوكنز يستلزم تسلسلا لانهائيا وهو محال ( اضغط هنا ) . والدكتور كريغ لديه دكتوراه في اللاهوت المسيحي وأخرى في الفلسفة ومعروف باعتماده على جوانب من علم الكلام الإسلامي في أبحاثه، وخصوصا فيما يتعلق بمسألة الحدوث. وهو معروف ايضا بإحراجه لعدد من اللادينيين في مناظرات علنية، وقد طلب من داوكنز أن يناظره ولكن الأخير لم يقبل حتى الآن ( اضغط هنا ).


*
جون لينوكس ووليم كريغ من المحاورين البارزين للعلماء اللادينيين، قد نجد تعليقات سلبية لبعض اللادينيين على كتبهم، محاولين السخرية من أفكارهم قدر الإمكان ولكن لا أظن أن بإمكان المنصفين منهم إنكار أن أمثال لينوكس وكريغ لديهم من المؤهلات والخلفية الأكاديمية ما يجعلهم فصيحي اللسان عند التحدث بلغة العلم المعاصر ويتقنون العزف على آلة المنهج العلمي وإن بألحان قد لا تناسب مزاج اللادينيين.

والجدير بالذكر (وفي حدود ما قرأت وشاهدت) أن لينوكس وكريغ في النهاية مسيحيان، وأعتقد أن من الطبيعي والمتوقع أن نجد أنهما لا يترددان في التمييز بين المسيحية وغيرها من الأديان وانتقادها تلميحا وتصريحا إذا دعت الحاجة ، ولكن حين يحتاجان إلى توسعة نطاق التأييد لفكرة تهمهم فلا بأس من الاشارة إلى معتقدات المؤمنين بالله من غير المسيحيين، والمسألة قد ينطبق عليها المثل "أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب" ، ربما لشعورهم بأن المؤمنين بوجود خالق للكون أقرب إليهم فكريا من اللادينيين.


*
الملاحظ أن داوكنز أشار إلى أن مسألة "من خلق الخالق" صادفته حين كان مراهقا وكانت مما اقنعته بالبعد عن الدين. وأذكر أن نفس النقطة ذكرها برتراند رسل ضمن أسباب ابتعاده عن الدين، وأيضا قرأها رسل في سني مراهقته. ومع ما أظهره كلاهما من ذكاء في الدراسة الأكاديمية، على الأقل من وجهة نظر أساتذتهم وزملائهم، إلا أن ما فهماه مبكرا يبدو أنه ظل مؤثرا فيما بعد.
أعتقد أن في ذلك درس مهم عن أهمية عدم اهمال وضوح العقيدة في سن مبكرة، وربما يكون ذلك أكثر أهمية هذه الأيام مع تدفق كل أنواع المعلومات بما فيها الايجابية والتافهة والسلبية وسهولة الحصول عليها لمن يرغب بشكل لم يسبق له مثيل من قبل في التاريخ الانساني المسجل.
أظن أن من المهم توعية وتنبيه أبناء المسلمين إلى مثل هذه الأمور قبل أن يروها بأنفسهم وبدون تجهيز ذهني مسبق.


*
ملحوظة: في الدقيقة 53:29 من مناظرة لينوكس وداوكنز، يشير لينوكس إلى تعليق ستيفن هوكينج في عام 2004 بأن لا أمل بالوصول إلى "نظرية كل شيء" بناء على كلام جويدل (ذكر في المشاركات الأولى أعلاه) وتطبيق كلامه على الفيزياء. هوكينج من أبرز الفيزيائيين المعاصرين وكان منذ الستينيات من أكثر المتحمسين للوصول إلى نظرية كل شيء، وأعتقد أن رأيه يستحق الملاحظة.

 

---------------------

الفلم الوثائقي ( The Elegant Universe ) أو "الكون الرائع [من حيث النظام والمظهر]" الذي أعده وقدمه الدكتور برايان جرين (وله كتاب بنفس العنوان أيضا) يتحدث عن التطورات المؤدية إلى نظرية الأوتار Strings Theory ، وربما يكون أفضل عرض لتلك النظرية وخلفيتها التاريخية بالنسبة لشخص غير متخصص مثلي.

حسب ما فهمت، فقد عرف الفيزيائيون مجموعتين من القوانين، الأولى خاصة بفهم الأجسام والكواكب والمجرات والثانية خاصة بفهم تكوين هذه الأجسام التي نراها ونرى العلاقات المنظمة بينها. والمحير جدا هو أن الصورة التي يراها الفيزيائي عند مستوى الأجسام الكبيرة مختلفة كثيرا عن الصورة التي يجدها عند مستوى الذرة وتكوينها. المجموعة الأولى من القوانين تمثلها قوانين نيوتن والنسبية العامة لأينشتاين والمجموعة الثانية تمثلها قوانين ميكانيكا الكم.

فعند مستوى الاجسام على الأرض أو الكواكب والمجرات نجد النظام والقدرة على التوقع بدقة عالية، بينما عند مستوى تكوين الذرات فالصورة عجيبة غريبة، إذ تظهر الأحداث في ذلك المستوى بشيء من العشوائية، أو هذا ما يبدو لنا الآن على الأقل، ولا أثر هناك لمعاني "الطبيعي والعادي" المألوفة لنا عند المستوى الأول. لا زلت أذكر دهشتي حين قرأت لأول مرة عن العالم العجيب عند مستوى الذرات وتكوينها. والفلم يعرض جانبا من ذلك، فمثلا يقول مقدم البرنامج (في العشر دقائق الأولى من الجزء الثاني) ، أنه عند ذلك المستوى نجد ما يبدو وكأنه فوضى واضطراب وعشوائية ولا يبقى معنى للقبل أو البعد ولا لليمين واليسار ولا فوق وتحت، وليس هناك يقين بأن شيئا ما موجود في مكان محدد أو أكثر من مكان في نفس الوقت !!!

ومع كل العجب بشأن ميكانيكا الكم، إلا أن القبول بطبيعة الأمور في ذلك المستوى ومحاولة الاستفادة من قوانينه كان مما أدى إلى الوصول إلى اختراع الترانسيستور والرقائق الإليكترونية التي لا يخلو منها حاسوب ولا جوال ولا معظم الأجهزة الكهربائية التي نستخدمها.

إذا هناك مستويان أو زاويتان لرؤية نفس الكون، و كل من المستويين مهم ومفهوم في حد ذاته على الأقل بما يكفي للاستفادة منه، ولكن أليس من المنطقي أن يكون هناك اتساق تام بينهما وبالتالي وجود صورة متكاملة تعطينا فهما شاملا لهذا الكون عند المستويين في نفس الوقت؟

هذا الفهم الشامل المنشود هو ما يوصف بنظرية كل شيء، أي النظرية التي تصلح لفهم أدق الأشياء وأعظمها في الكون في نفس الوقت، ولفهم الكون من نشأته إلى نهايته، حسب كلام الدكتور جرين في بداية الجزء الأول. وخلال المئة سنة السابقة كانت أسماء مثل أينشتاين وهوكينج من الأسماء البارزة من ضمن عشرات الآلاف من الأساتذة المتخصصين الذين عملوا ولا يزالون في مئات وربما آلاف المعاهد العلمية في جميع أنحاء كوكب الأرض، والكل ينظر إليهم متسائلا عن نظرية كل شيء.

أينشتاين كان من المساهمين في نشأة ميكانيكا الكم ولكنه لم يتابع بحثه في ذلك المجال، واهتم بالنسبية العامة. وبالنسبة له كانت صورة النظام في الكون رائعة ومبهرة وواضحة، وهو ممن يؤمنون بالإبداع والنظام المحكم في الكون (عاش أينشتاين في وسط علمي طغى عليه البعد عن الدين، وحين سئل إن كان يؤمن بالله أم لا، أجاب بأنه يؤمن بالإله حسب فهم سبينوزا الذي اتهم بالقول بالاتحاد وحرمت الكنيسة تداول كتبه، والجدل حول ما عناه سبينوزا ظل مستمرا ما بين متهم ومدافع ومن يرى أنه أسيء فهمه). لذلك لم يكن أينشتاين مقتنعا بالتطورات السريعة في ميكانيكا الكم والتي لم تكف عن إظهار مستجدات تؤكد وجود العشوائية والاحتمالات وعدم اليقين وعدم القدرة على التوقع. وأصر على امكانية الوصول إلى نظرية لكل شيء أساسها النظام المحكم في الكون كما تعود النظر إليه من خلال النسبية العامة. وأمضى أينشتاين الثلاثين سنة الأخيرة من عمره محاولا الوصول إليها دون جدوى، ( هناك فيلم وثائقي عن هذه المحاولات بعنوان Einstein's Unfinished Symphony)، وها هو هوكينج قد اقترب من السبعين وقد امضى معظم حياته في البحث عنها (هناك فيلم وثائقي عن محاولاته بعنوان Stephen Hawking and The Theory Of Everything ) ولكن أيضا دون نتيجة حاسمة بالرغم من قناعته بمكانيكا الكم.

منذ أربعين سنة تقريبا وفي نهاية الستينات من القرن الماضي، ومن ضمن المحاولات للوصول إلى نظرية كل شيء، ظهرت أولى الأفكار حول نظرية الأوتار وفي الثمانينات تلقت النظرية دفعة جيدة وقبولا بين الفيزيائيين ولكن لا زالت الأمور في الطور النظري وحتى هنا لا زال العلماء غير راضون تماما كما فهمت عما وصلوا إليه. ثم يأتي رأي هوكينج الذي كان مفاجئا للبعض بأنه لا أمل في الوصول إلى نظرية محكمة تامة لكل شيء ( مقال هوكينج: اضغط هنا ).

حين سمعت كلام لينوكس عن رأي هوكينج فهمت مبدئيا أن الثاني قال أن لا أمل مطلقا في الوصول إلى نظرية كل شيء، ولكن ما فهمته من مقال هوكينج أنه لا أمل بالوصول إلى نظرية محكمة تامة لكل شيء، بافتراض أن تم الوصول إلى نظرية تحاول ربط كل شيء وقابلة للاختبار الفعلي، وهو ما لم يحصل حتى الآن كما فهمت، لإن لا أمل أن نصل إلى الإحكام والكمال في مجال القوانين التي ستظل ينقصها دائما أمر ما، مهما تطور "التحليل العقلاني"، حسب كلام جويدل عن عدم الاكتمال وبالتالي عدم اليقين (وفي المقال شرح مختصر لهذه النقطة). وربما كان ذلك ما قصد لينوكس قوله.

 

----------------------

يدرك الإنسان بداهة الجزء وما يتركب من الأجزاء كما يبدو،
ولكن ما السر في ذلك الفصل الذي يجده العلماء على أرض الواقع التجريبي والعملي بين مستويات العلم في المجال نفسه، كما هو واضح بين قوانين نيوتن والنسبية العامة من جهة وميكانيكا الكم من جهة أخرى، وكما هو بين سلوك الفرد والسلوك الجماعي مثلما نجد في علم الاقتصاد مثلا؟
لم لا نجد سهولة ويسرا في الانتقال من فهم الجزء إلى فهم ما يتركب من أجزاء؟
لم يوجد ما يبدو لي وكأنه جدار غير مرئي بين المستويين؟
لم لا نستطيع التحرك بسلاسة بين المستويين بل نحتاج إلى ما يشبه القفز لتجاوز ذلك الجدار غير المرئي؟

أسئلة قد لا تجد جوابا ربما لأن من الأمور الملاحظة عن العلماء المعاصرين أنهم لا يهتمون كثيرا بأسئلة فلسفية تبدأ بـ "لِمَ" (Why)، مثل لم الكون موجود؟ أو لم القوانين المختلفة في الكون موجودة؟ بل يهمهم فقط الاجابة على أسئلة عملية تبدأ بـ "كيف" (How) مثل كيف نفهم الكون الذي نحن فيه ونستفيد من ذلك الفهم؟، وكيف نفهم الظواهر الطبيعية والانسانية وكيف تعمل القوانين المختلفة ونستفيد منها؟ أما لم هي موجودة فكما فهمت، فليس سؤالا علميا عمليا بل يصنفونه ضمن الأسئلة النظرية الفلسفية.

 

--------------------

*
إختيار لينوكس نقل كلام هوكينج في جملة مثل "لا أمل بالوصول إلى نظرية كل شيء بناء على كلام جويدل"، عرّضه لسلسلة من انتقادات اللادينيين، أخفها عدم الأمانة في النقل والتلميح إلى عدم فهم لينوكس لمقصد جويدل وهوكينج (مثلا تعليقاتهم بخصوص هذه المناظرة في موقع داوكنز وغيره من مواقع اللادينيين). هذا بالرغم من أنه ذكرها كنقطة جانبية على عجل وأراد أن يلخص المسألة في ثوان، ومن الممكن أن يحمل كلامه على أنه متوافق مع الصياغة العلمية. ولكن اللادينيون لم يتمهلوا ولا حاولوا البحث عن تفسير مقبول، مع أن الكلام صدر عن أستاذ في الرياضيات، وتعليقه على موضوع رياضي أساسا حول ما قاله جويدل الرياضي وهوكينج الرياضي المتخصص في الفيزياء النظرية. بالنسبة لي، لو خيرت بين فهم لينوكس للموضوع في مقابل فهم أساتذة علم الأحياء وتطور الكائنات الحية، لما ترددت في ترجيح فهم لينوكس.

يبدو لي أن تلك الضجة مفتعلة وربما يتبين ما وراءها إن اتضحت أهمية جهد جويدل واهمية اعتناء هوكينج بكلامه.


*
لا شك أن للنظام العقلاني البشري فائدة عملية واضحة وهو أمر ملموس في مختلف نواحي الحياة اليومية، ولكن السؤال المهم هو هل يمكن وصفه بالاتساق الذاتي التام والكامل؟. كما فهمت، فأقصى أماني اللادينيين كانت أن يجدوا إجابة بالايجاب على مثل هذا السؤال.

كثيرا ما يوصف جويدل ( اضغط هنا ) بأنه ممن أفسد على بعض الرياضيين مشاريعهم الطموحة، وعلى رأسهم برتراند رسل. فهو أخرجهم من الأحلام الوردية حول وجود أرضية رياضية متينة متماسكة، إلى واقع أن تلك الأرضية ليست كذلك. (أذكر أني قرأت مقالة عن الرجلين رافقها رسم كاريكاتوري لرسل وهو مغتاظ من جويدل ).

الملاحظ أن رسل كان لادينيا، بينما كان جويدل مؤمنا. والجهود الأكاديمية عادة ما تغلف بأوصاف النزاهة والحيادية والموضوعية، ولكن هل يمكن فعلا استبعاد أن الخلفية الفكرية لكل من رسل وجويدل كان لها تأثير في اختيار كل منهما لمسار معين في البحث العلمي في سعي منظم حثيث للوصول إلى نتائج مرجوة معينة لها أبعاد ومضامين مقصود التلميح إليها؟ سؤال لا أعرف له جوابا واضحا.

لكن المعروف هو محاولة عدد من المتدينين الغربيين (أذكر في هذا الخصوص أني لاحظت إسم أحد المسلمين أيضا يناقش في هذا المجال) استخدام نظرية جويدل بتعميمها على الأنظمة الفكرية العقلانية البشرية، بغرض الوصول إلى ما مؤداه أنها بطبيعتها لا تخلو من قصور متأصل، وستظل كذلك مهما تطور التفكير البشري العقلاني. ولا تخفى الإشارة إلى اشتمال ذلك الكلام على علم المنطق كونه لم يعد اليوم إلا شكلا من أشكال الرياضيات وفرعا من فروعها، ينطبق عليه ما ينطبق على الهياكل الرياضية. طبعا مع ملاحظة أن القول بقصور أو محدودية النظام العقلاني البشري لا يعني القول بانعدام الفائدة من النظام العقلاني البشري، بل ما يراه كل عاقل هو العكس وكما هو بين في مجال الانجازات العلمية، فهي جلية، وربما مبهرة، وإنما قصدهم كما فهمت نفي صفة الكمال عن أي نظام عقلاني بشري.

فكرة وجود قصور متأصل في النظام الفكري العقلاني البشري استند إليها بعض المتدينون مثلا لبيان عدم إمكانية القول بالقدرة ولو نظريا على فهم ظواهر الكون فهما تاما وتفسير ظواهره تفسيرا كاملا بالاستناد إلى الأنظمة العقلانية البشرية، وهي مسألة كان اللادينيون يزعمون امكانيتها (وبالتالي دفع النقاش نحو التساؤل حول من لديه القدرة على التفسير الكامل لما يجري في الكون؟). كذلك أنهم لا يمكنهم إثبات عدم وجود الخالق بطريقة منطقية أو عن طريق المنهج العلمي.

ما أتعجب له هو أن اللادينيين قبلوا عمليا مثل تلك النتائج وإن كانوا لا يردون قبولهم إلى الاقتناع بكلام المتدينين، ولا يقبلون تعميماتهم. وقد لاحظت تعليقات بعض اللادينيين الذين تطرقوا إلى هذا الموضوع وأحيانا أجد تعال واضح خصوصا حين يطلقون عبارات حول أن المتدينين أصلا لم يفهموا جويدل (الرياضي المؤمن) بشكل صحيح. نفس النبرة استخدمها بعضهم حتى مع كون المتدين أستاذا في الرياضيات مثل لينوكس، والمشكك ليس رياضيا. عجيب أمرهم!

طيب، لنرجع الآن إلى مقال هوكينج (الرابط في المشاركة السابقة) لمحاولة معرفة سبب اهتمامه بكلام جويدل.

يقول في الفقرة الثالثة عشر:
"حتى الآن، افترض الكثيرون بأن هناك نظرية نهائية [لكل شيء] ستكتشف في النهاية. وبالفعل، أنا نفسي لمّحت إلى أننا قد نجدها قريبا جدا. ولكن نظرية M [إسم أخر تطوير لنظرية كل شيء] جعلتني أتساءل إن كان ذلك حقا [أن هناك نظرية نهائية ستكتشف في النهاية]. ربما ليس من الممكن صياغة نظرية الكون في عدد محدد من الجمل. هذا يذكر بقوة بنظرية جويدل. والتي تقول أن أي نظام متناه للمسلمات لن يكون كافيا لإثبات كل نتيجة في الرياضيات."

اللادينيون المعترضون على لينوكس متمسكون بأن هوكينج لم يقل أن هناك إثبات صارم لانطباق نظرية جويدل على الوضع في الفيزياء، بل هو قال بالتحديد أن الوضع الحالي في مجال الفيزياء يذكّره بقوة بنظرية جويدل!!

ولكنه يقول في الفقرة الخامسة عشر:
"ما العلاقة بين نظرية جويدل وما إذا كان يمكننا صياغة نظرية للكون بمعرفة عدد متناه من المباديء؟ [ثم يجيب] هناك صلة واحدة واضحة. حسب الفلسفة العلمية الوضعية [Positivist وصف الفلسفة العلمية المتبعة حاليا]، فإن النظرية الطبيعية هي نموذج رياضي. بالتالي، إذا كانت هناك نتائج رياضية لا يمكن إثباتها، فهناك مسائل طبيعية لا يمكن توقعها."

أعتقد أنه حتى إن قيل أن كلام هوكينج لم يشر إلى "إثبات صارم" ولكن يمكن القول بأنه يشير إلى "صلة واضحة".

يقول في الفقرة السادسة عشر : "ولكننا لسنا ملائكة ترى الكون من خارجه. بل نحن ونماذجنا [الرياضية] جزء من الكون الذي نصفه. بالتالي فأي نظرية طبيعية فيها رجوع ذاتي (Self Referencing)، كما في [أو يوافق] نظرية جويدل. وبالتالي [حسب نظرية جويدل] فلنا أن نتوقع أن النظرية الطبيعية [محل البحث] إما أن تكون غير متسقة أو غير كاملة. والنظريات التي لدينا حتى الآن كلها غير متسقة وغير كاملة في نفس الوقت."

إقرار واضح فيما أظن بأن الوضع الحالي في مجال الفيزياء متوافق مع المتوقع حسب نظرية جويدل.

ملحوظة:
لا أظن أن ما فهم هوكينج عن الملائكة مأخوذ من المتدينين، لأني أستبعد أن يعتقد المسيحيون أو اليهود أن الملائكة ليست من المخلوقات. وهو لا-أدري ( اضغط هنا ) ، لذلك فربما لا غرابة إن أخطأ في معرفة الحادث.
الملاحظ أن فحوى عبارة "لكننا لسنا ملائكة ترى الكون من خارجه"، أو رؤية الكون من خارجه أو رؤيته من قبل من ليس بمخلوق في الكون، هذا المعنى في حد ذاته متداول في الوسط العلمي حتى بين اللادينيين، ولكن بدون أي اهتمام جدي بـ "من يرى الكون من خارجه"، وهذا من عجائبهم، والسبب كما ذكرت سابقا هو تركيزهم على كيفية فهم الأمور والاستفادة منها دون السؤال عن لم هي كذلك.

يقول في الفقرة الأخيرة:
"بعض الناس سيخيب ظنهم جدا إن لم تكن هناك نظرية نهائية يمكن أن تصاغ كعدد متناه من المباديء. وكنت أنتمي إلى ذلك الفريق من الناس، ولكني غيرت رأيي. أنا الآن سعيد بأن بحثنا عن الفهم [للكون وما فيه] لن ينتهي أبدا، وأن التحدي المرافق للاكتشافات الجديدة سيظل موجودا دائما. وبدونه سيصيبنا الركود والخمول. نظرية جويدل ضمنت أن الرياضيين سيجدون دائما من يوظفهم. وأعتقد أن نظرية M ستضمن نفس الشيء بالنسبة للفيزيائيين."