Monday, April 7, 2008

اليوجا، العلوم المعاصرة، والمنهج العلمي الإسلامي



المقال مقسم إلى ما يلي:

1- اليوجا والتشيجونج: هل يمكن الفصل بين الناحية العملية والناحية الإعتقادية في الشرق؟

2- العلوم المعاصرة: هل يمكن الفصل بين الناحية العملية والناحية الاعتقادية في الغرب؟ وكيف يمكن أن تظهر آثار ذلك في البيئة العلمية المعاصرة في الغرب؟

3- أهداف المنهج العلمي الإسلامي

4- أخطاء شائعة في فهم العلوم المعاصرة

5- دراسة الدكتورة إيكلوند حول التدين في البيئة الجامعية

6- الإقتصاد الإسلامي كبيئة مبكرة لاستشفاف الملامح المحتملة للمنهج العلمي الإسلامي.

7- تعليق على كتاب للدكتور آلان تشالمرز

8- ملاحظات ختامية

مقدمة

السلام عليكم
 هذا المقال كتبته في النصف الأول من عام 2008، ومكون من مجموعة من مشاركاتي في منتديات توقفت عن العمل منذ سنين، واحتفظت بها. الروابط قديمة وقد لا تعمل، فأرجو المعذرة.



* القسم الأول:
اليوجا والتشيجونج ، بين الناحية العملية والناحية الروحانية أو الإعتقادية

اليوجا (Yoga) الهندية والتشي جونج (Qigong)الصينية هي من التمارين التي لها فوائد صحية تبين أثرها بوضوح على نفسية وصحة الإنسان من خلال دراسات عديدة. والفوائد مثبتة لدى منظمة الصحة العالمية التي تعترف بهذه التمارين كوسيلة مكملة للعناية الصحية.

وتلك التمارين طورت خلال بضعة آلاف سنة من قبل النساك في معابد هندوسية وبوذية وطاوية. حيث يعتبر الاسترخاء والهدوء النفسي خطوة ضرورية قبل الدخول في مراحل التأمل المتقدمة لديهم.

وقد أوضح أولئك النساك أن للاسترخاء الجسدي والذهني في حد ذاته فوائد نفسية وصحية عديدة. كذلك هو الخطوة الأولى أيضا في تمارين كثيرة معقدة في ظاهرها ولكنها متسقة حسب رؤيتهم وتهدف إلى التعامل مع مختلف المشاكل الصحية. لكن الجدير ذكره أن فروع الطب الشرقي نشأت وتطورت على نفس الأسس الميتافيزيقية لفلسفاتهم، وإن كان الاستخدام العملي هو لأغراض طبية وصحية بحتة.

(ملحوظة: الحوار التالي مفترض والهدف منه عرض جوانب الموضوع. وآراء "الأخ العزيز" هي جملة أراء لعدد من الاشخاص الذين تحدثت إليهم أو قرأت كتاباتهم)

الأخ العزيز يرى أن من الأسلم تجنب تلك التمارين، وأرى أن لا مشكلة في الموضوع. وضربت مثالا عن الصيام، فله فوائد صحية وهو يستخدم فعلا في الغرب كوسيلة علاج، ولكن غير المسلم حين يصوم بهدف الحصول على تلك الفوائد لا يصبح مسلما، وبالمثل ممارسة المسلم لليوغا والتمارين الصينية لأغراض صحية بحتة لا علاقة لها بمعتقدات من طور تلك التمارين.

ولكن الأخ الفاضل بناء على ما لديه من معلومات في الفلسفات الشرقية قال أن الأمر ليس بهذه البساطة. فالطب الشرقي وثيق الصلة بالمعتقدات الشرقية خلافا للطب الغربي. وقد لا تبدو هذه الصلة واضحة في المستويات الابتدائية من التمارين ولكن التعمق فيها يتطلب معرفة أكثر وأكثر بتلك المعتقدات. وذكر لي بعض الحالات لاشخاص استفادوا حقا من تلك التمارين صحيا، ولكن فيهم من تأثر ببعض الأفكار الشرقية، وإن لم يدفعهم ذلك إلى تبني تلك الديانات إلا في حالات نادرة جدا.

فكرت فيما قاله صاحبي، وفي لقاء تال كان جوابي مرتبا كما يلي:
(1) أن العلوم الغربية ليست كما قال بدون علاقة وثيقة بمعتقد معين، فأي نظام فكري لا بد له من جانبين أساسيين إعتقادي وعملي/تطبيقي، وليس هناك نظام فكري إلا وهو وثيق الصلة بمعتقد معين.
المنطق الحديث هو أساس المنهج العلمي الغربي، وما يؤثر عليه يتسرب إلى ذلك المنهج بشكل أو بأخر. وقد أصر عدد من المنطقيين الغربيين (رسل وغيره) أن المنطق لا علاقة له بأي جوانب ميتافيزيقية، (انظر الفصل الرابع بعنوان "المنطق والميتافيزيقيا"، ص 63 في كتاب الدكتور محمد ثابت الفندي "أصول المنطق الرياضي"، دار النهضة العربية، 1969). وردا على ذلك قال الفندي: "المنطق الرياضي لا يمكن أن يعتبر مستقلا عن الميتافيزيقيا كما يريد أنصاره، شأنه شأن المنطق دائما لا غنى له عن أرضية ميتافيزيقية يستند إليها مهما كان الأمر."
ما فهمته عن الموقف الذي تبناه الدكتور الفندي (وهو توجه عبر عنه عدد من الفلاسفة حتى في الغرب) هو أن محاولة التنصل من الحاجة إلى الميتافيزيقيا (كما عرفت تاريخيا بعلاقتها الإيجابية الوطيدة بالدين) هي بالضبط تعبير عن موقف ميتافيزيقي (كجزء لا يتجزأ عن أي نظام فكري، وإن كان سلبيا في هذه الحالة تجاه المفاهيم الدينية).

(2) أعتقد أن الرأي الذي تبناه الدكتور الفندي صحيح والميتافيزيقيا كما فهمت تعبر عن معتقد معين حول طبيعة وأصل الوجود. وتاريخيا اختار العلماء الأوروبيون إقصاء أي مفاهيم دينية تقليدية محاولة منهم كما يبدو للتخلص من سيطرة وهيمنة السلطة الدينية لديهم على تطور الفكر العلمي. باختصار، ما أراه، هو أن الجانب التطبيقي العملي للعلوم الحديثة ملتصق بموقف اعتقادي عن أصل الوجود وطبيعته لا يعترف بوجود جانب روحاني أو وجود الخالق. وحسب ما يظهر لي فإن الاقتناع بفلسفة علمية تتبنى ذلك الموقف لا يخلو من إنعكاس على الاعتقاد الشخصي. وفيما يلي إحصائيات لتوضيح الصورة:
نسبة الملحدين في المجتمع ككل في الولايات المتحدة هي أقل من 10%
ولكن نسبتهم ضمن حاملي شهادات بكلريوس العلوم أو أعلى هي 40%
والملفت جدا للنظر أن نسبتهم ضمن من يصنفون بالعلماء المتميزين تتراوح بين 70% إلى 90% حسب عدد من الدراسات الاستقصائية. (انظر هنا على سبيل المثال).

ويشير كاتب المقالة إلى أن إتجاه عدم التدين في فئة العلماء عبر الدراسات التي تمت منذ بداية القرن العشرين هو إلى الازدياد لا إلى الانحسار.
وليس لدي الآن رابط يبين أن تلك النسب في أوربا أعلى مما هي عليه في الولايات المتحدة، حيث كانت نسبة المتدينين ضمن فئة العلماء المتميزين لا تزيد عن 3%. كذلك أذكر دراسة لا أملك رابطها الآن أيضا، كان السؤال الموجه للاشخاص العاديين فيها هو "هل للدين تأثير في حياتك اليومية؟" وكانت نسبة من قالوا نعم أكثر من 60% في الولايات المتحدة و حوالي 21% في إوروبا. الانطباع العام هو أن أوروبا نسبيا أقل تدينا من الأمريكتين.

ليست لدي إحصائيات مقابلة عن أي مجتمع مسلم، ولكني لا أشك بأن الفارق سيكون كبيرا. وسبب ذلك هو ما فهمته عن الفرق بين أوروبا والأمريكتين، إذ يمكن القول بأنه كلما زادت القاعدة والخلفية الإيمانية في المجتمع كلما كان تأثير الجانب الاعتقادي المرافق للعلوم الحديثة أقل على عقيدة أفراد المجتمع وعلمائه (في العلوم الحديثة طبعا). والجانب الديني في مجتمعنا المسلم يمتليء حياة وقوة. مع ذلك فقد رأيت وربما صادف بعض القراء الكرام أيضا، من المتعلمين في المجتمع المسلم الذين حصلوا درجات علمية عالية، ممن لهم أفكار يبدو منها الكثير من الشك والوساوس أعاذنا الله وحفظنا منها. فهل السبب هو إستغراق وتشرب وإعجاب بالمنهج العلمي الغربي خصوصا إذا ما أتفق ذلك مع خلفية دينية ضعيفة ؟ الموضوع يستحق بحثا مستقلا أوسع.

خلاصة الكلام وحتى لا أحيد عن الموضوع، هي أنه خلافا لرأي صاحبي فيبدو لي أن المنهج العلمي الغربي وثيق الصلة بالاعتقاد وفي هذه الحالة فالعقيدة المرافقة للعلم الحديث هي الالحاد. وهذه النقطة هي التي يهدف الموقع المذكور رابطه أعلاه إلى تأكيدها. فالملحدون يتباهون بهذه العلاقة بين المنهج العقلاني الصرف والالحاد ويحاولون ابرازها في كل مناسبة ممكنة.

(3) ما هو واضح أننا بصفة عامة كمسلمين تبنينا الجانب التطبيقي للعلوم المعاصرة وتركنا الجانب الاعتقادي (أيضا يلاحظ في سلوكنا محاولات ربط نتائج العلوم المعاصرة بمعتقداتنا). وقد فعل أسلافنا ذلك من قبل مع العلوم اليونانية، حين أهملوا الاعتقادات وأخذوا الجانب العملي التطبيقي. ومثل ذلك فعل الأوروبيون في العصور الوسطى حين أخذوا عن المسلمين. بل ذلك ما يفعله العلماء الغربيون حاليا حين يدرسون تمارين اليوجا والتشي جونج ، فهم ببساطة يهملون الجانب الاعتقادي ويركزون على الأسباب والأثار الظاهرة فقط.
وأعتقد أن الخلفية التي يستند إليها هذا السلوك الشائع (تبني النواحي العملية والتطبيقية من الحضارات والثقافات الأخرى مع ترك الاعتقادات)، هي أن هناك إدراك (سواء كان ضمنيا أو عبرنا عنه صراحة) بأن الجانب التطبيقي العملي يخص طبيعة الأشياء على ما هي عليه وهي واحدة أصلا بالنسبة للجميع بغض النظر عن مدى عمق الفهم وكيفية النظر واختيار كل فرقة لطريقة التعبير عن نفسها حيال طبيعة وأصل الوجود (الجانب الاعتقادي للفكر). لذلك فقد يكون من الحكمة عدم إهمال الفوائد الملموسة التي نجدها في الثقافات الأخرى. فلم التخوف الآن من تبني التمارين الطبية الهندية والصينية التي ثبتت فوائدها؟

جواب صاحبي كان كالتالي:
(1) بالنسبة لعلاقة العلم الحديث بالإيمان فهو لا يرى الرابط الذي ذكرته، وأن ضعف الإيمان قد يرجع إلى عوامل إجتماعية وتاريخية أخرى، وأن لا حاجة إلى التسرع في ربط العلم الحديث بالاعتقادات.
(2) ولإيضاح وجهة نظره كرر مثالا سمعته أكثر من مرة من غيره "بأن قانون الجاذبية الأرضية سيعمل بنفس الطريقة سواء بالنسبة للمسلم أو غير المسلم، فما دخل البحث العلمي بالعقائد؟".
(3) وهو يقول أن استلال المفيد من الفلسفات غير الإسلامية والتمييز بين الصحيح والسقيم فيها وإنشاء صرح فكري متسق مع عقيدتنا تم على أيدي مفكرين عظام مثل الغزالي والرازي، فهل نرى بيننا من هم بمستواهم ممن يمكن الوثوق بهم بالنسبة للفلسفات الصينية والهندية؟؟
(4) أيضا ما هي نسبة المسلمين المتلهفين والباحثين عن شتى الوسائل التي قد تساعدهم على التخلص من التوتر والمشاكل المصاحبة له ممن سيتأنى ويهتم بفهم جوانب الموضوع ولن يتأثر بأي شكل من الأشكال بالمعتقدات الشرقية؟.

جوابي على النقطة الأولى، أن ذلك الربط قبل أن يكون رأيا لي، هو ما أكده علماء غربيون ملحدون عن أنفسهم بدراساتهم "العلمية".
وجوابي على النقطة الثانية هو أن تلك العبارة تخص الجانب التطبيقي فقط، بينما مثار الخلاف هو عن ما هو قبل ذلك أي على المستوى الاعتقادي، فيما يخص إن كان للوجود معنى أكبر من مجرد الجانب المادي الظاهر الذي يهتم به العلم الحديث أم لا، وإن كان لذلك الجانب تأثير في الجانب المادي يستحق أخذه في الإعتبار أم لا. وحسب فهمي فإن هذه الأمور ينكر العلماء المعاصرون أهميتها ابتداء ولا يتطرقون إلى بحثها.
لذلك لا زلت على رأيي بأن هناك جانب اعتقادي للعلم الحديث مخالف لاعتقادنا وبالرغم من ذلك فلم يعترض أحد من المسلمين على استخدام الجانب العملي والتطبيقي منه، ومن هنا فما المانع من اتباع نفس السلوك حيال الفلسفات الشرقية؟
بالنسبة للنقطة الرابعة فاحتمال الانحراف ممكن ولكنه ممكن أيضا في حالنا مع العلوم الغربية كما نلمس في مجتمعاتنا، وفي كلا الحالين فالعامل المؤثر والحائل دون الانحراف هو قوة الإيمان ورسوخ العقيدة.

أما النقطة الثالثة، فهي محور الحديث فيما بقي من المقالة، وهي في الحقيقة الهدف الرئيسي منها، وما سبق كان كالتمهيد لها.

---------------------------
* القسم الثاني:
العلوم المعاصرة ليست بدون جانب ميتافيزيقي. وكيف يمكن أن يظهر ذلك في البيئة العلمية المعاصرة.

لم تبرز الحاجة إلى التدقيق والتحقيق عندما يتعلق الأمر بالفلسفات الشرقية مثلا، وليس حين يتعلق الأمر بالعلوم المعاصرة؟
يبدو لي أن هناك تحفظ وحذر واحتياط حول ما يمكن أن يؤخذ من الفلسفات الشرقية، وبالمقارنة لا يبدو أن هناك تحفظا مماثلا وبنفس الدرجة حول ما يمكن أن يؤخذ من العلوم العصرية الغربية. فتبني وقبول العلوم العصرية ونتائجها يبدو أنه غالبا ما كان مرافقا بالانبهار والاستسلام، بالرغم من أن الجانب الاعتقادي لتلك العلوم مخالف لعقيدتنا، والإحصائيات أمامنا حول الأثر المحتمل لا قدر الله على المدى البعيد لتبني المنهج العلمي المعاصر بدون قيد أو شرط. وقبل أن نطالب بالجهد في تمحيص الفلسفات الشرقية، أعتقد من الأهم بمراحل تحديد موقفنا حيال المنهج العلمي المعاصر.

لست ضد المنهج العلمي المعاصر أو العلوم الحديثة ، ولكن أظن (1) أن من الضروري بيان طبيعتها الاعتقادية مقارنة بفكرنا وعقيدتنا الاسلامية. و(2) من الضروري أيضا محاولة بيان الحدود التي في إطارها نقبل ما يأتينا، وطرق تمييز السقيم من المفيد من نتائج البحث العلمي حسب مبادئنا وعقيدتنا وذلك وفق منهج يخصنا، ليس هدفه نقض جهد الآخرين بل يبني عليه معبرا في نفس الوقت عن عقيدتنا. ولا يجب أن يستغرب أن يكون مثل هذا المنهج مضيفا اضافات كبيرة الى المعرفة الانسانية، نظرا لاهتمامه بما يتجاوز الجانب المادي للأشياء، وهو مجال تتجنبه العلوم المعاصرة.
وقد لا يكون فينا من هم بمستوى الإمام الغزالي أو الرازي، لكن أظن أن من المتعين على كل من يمكنه المشاركة في هذا الجهد أن يساهم بما يستطيع، حتى لو بالقليل. فرب معلومة تفتح الباب أمام شخص أوعى ممن ذكر تلك المعلومة.

(1) أهمية بيان الطبيعة الاعتقادية للعلوم الحديثة
عدم وجود تفرقة واضحة بين الطبيعة الظنية للعلوم الحديثة والطبيعة القطعية لأسس عقيدتنا قد يؤدي إلى خلط في الأمور. وما يظهر لي هو أن عدم وضوح الفرق بين المجالين منتشر سواء لدى المسلمين أو لدى المتدينين عموما من أديان أخرى بالاضافة إلى الملحدين من العلماء المعاصرين.
وبسبب عدم وجود تمييز واضح يمكن أن نجد مثلا، من الإخوة الذين لا شك في إخلاصهم وسلامة نيتهم، ممن يبحث عما يقوله العلم ويرى إن كان موافقا لما جاء في الكتاب أو في السنة. بعضهم متنبهون إلى التعبيرات الدقيقة المستخدمة في العلوم المعاصرة ولكن عددا منهم لا يبدو لي أنهم لاحظوا تلك التعبيرات. فمثلا نجد من يأتي بأية من القرآن ثم يقول عبارة بمعنى أن العلم الحديث "أثبت" ذلك أو أن من "الحقائق العلمية" كذا وكذا. (بالمناسبة، كلمة إثبات لا تستخدم في العلوم الحديثة إلا في إطار رياضي/منطقي نظري بحت وحتى في تلك الحالات فالاثبات يعتبر صحيحا ضمن إطار مسلمات معينة فقط). وفي رأيي أن ذلك يشير إلى أن قائل مثل تلك العبارات في خير. فهو قد تربى في جو يسوده الإيمان بالقطعيات، وإيمانه قوي والحمد لله. ولكن يبدو أنه من حسن نيته وسعيه الحثيث لبيان التوافق بين العلم والدين، لم يميز أن "ما وصل إليه العلم" ليس من القطعيات. مثل هذه المحاولات، مع احترامي الشديد لأصحابها، تصلح في نظري للاستئناس بها فقط وليس للدلالة على صحة ما جاء في القرآن والسنة. فطبيعة المعلومات التي يصل إليها العلم أنها دائما وبدون استثناءات تصاغ في إطار إحتمالي قابل للنقض أو التعديل في أي لحظة. فهل يصح أن نستند إلى معلومات لا يقر من سطرها إلا بصياغتها في إطار احتمالي، والتي هي أشبه بأرضية متحركة غير ثابتة، ونبني عليها نشاطا دعويا؟ في رأين أنه فهم غير كامل دون شك وإلا فالأمانة تقتضي تحديد طبيعة المعلومات العلمية. وإن تم ذلك، ترى هل ستكون لتلك المعلومات نفس الوقع على السامع؟

كيف يرى العلماء الملحدون المعاصرون محاولات ربط الدين بالعلم؟
لأخذ فكرة عن ذلك، يمكن البحث في الانترنت عن تفاصيل المناقشات والآراء المتداولة حول قضية "التصميم الحكيم" Intelligent Design التي أثيرت قبل أكثر من عامين في الولايات المتحدة. وقد شهدت السنوات القريبة الماضية عددا من المحاولات التي تقدم بها المتدينون في الغرب (ووصفها أصحابها بالعلمية) لمجرد الإشارة (وبدون تصريح) إلى جوانب دينية (مثل وجود خالق للكون). موقف العلماء غير المتدينين كان الاستنكار التام والاتهام بمحاولة إدراج أمور دينية في العلم. وصنفت تلك المحاولات بأنها ضمن حقل يطلق عليه اللاعلم non-Science أو العلم الزائف Pseudoscience.
أظن أن من الطبيعي أن لا يقبل المتدين أساسا أن تصاغ أمور قطعية في الدين في شكل إحتمالي قابل للنقض، لمجرد مراعاة القواعد العلمية المتعارف عليها، ولكن حركة التصميم الحكيم حسب ما فهمت حاولت ذلك، وحتى تلك المحاولة رفضت تماما من قبل العلماء غير المتدينين.
فأولئك العلماء عادة ما يشيرون إلى الماضي والتجربة السلبية مع السلطة الدينية في أوروبا وأن العلم المعاصر تخلص بشق الأنفس وبتضحيات كثيرة من تحكم تلك السلطة، وأن حركة التصميم الحكيم ما هي إلا محاولة لتسلل السلطة الدينية مرة أخرى إلى مجال العلم محاولة ارتداء لباس ليس لباسها. بصفة عامة ألمس حذرا شديدا من قبل العلماء المعاصرين في الغرب من كل ما هو ديني، ومحاولة لتكريس التباعد بين المجالين.
وأجد من ناحية إعتقادية أني متفق مع الملحدين حول عدم التجانس بين المجالين، ولكني أختلف معهم حول ظنهم بأن المنهج العلمي المعاصر هو الوحيد المخول أو القادر على بحث الظواهر الطبيعية والاجتماعية. وأظن أن بإمكان المسلمين إخراج منهج أكثر نضجا وأوسع أفقا بإذن الله.

وفي رأيي أن ظنهم بفوقية المنهج العلمي يرافقه نظرة استعلاء اجدها واضحة لدى الملحدين الغربيين. ففي نفس الرابط أعلاه هناك إشارة إلى دراسات "توصلت" إلى أن هناك علاقة بين مستوى الذكاء IQ و التدين. حسب كلامهم، فكلما زاد ذكاء الشخص كان أقل تدينا.
وهم يتحدثون في منتدياتهم ومدوناتهم عن المتدينين (أيا كان الدين، فلا فرق عند الملاحدة) بشيء من التعالي والسخرية أو الشفقة التي منشؤها النظرة الدونية إلى المتدينين. ويتكرر ذلك الأسلوب هذه الأيام في ظل تجدد نشر الرسوم في الدنمارك. فالملحدون ما بين مؤيد لتلك الاستفزازات من باب "حتى ندفع أولئك المتدينين إلى النضج والعقلانية" (وذلك لا يعني بالنسبة لهم في النهاية سوى التخلي عن الدين) وبين رافض لها من باب "لا داعي لاستفزازهم ولنخاطبهم على قدر عقولهم".

سبحان الله.

قال تعالى (البقرة – 212): "زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا"

الحمد لله على نعمة الإيمان.

------------------------

من ناحية أخرى فإن عدم التمييز بين المجال القطعي للدين والمجال الظني للعلم المعاصر واضح أيضا لدى العلماء الملحدين. أذكر قبل عدة سنوات أني كنت في إحدى غرف المحادثة الإسلامية أنظر صامتا إلى ما يكتب. فدخل علينا أحد الملحدين وقال بأدب أنه يود النقاش العلمي حول الدين مع من يرغب في ذلك من المسلمين. فقال له أحد الإخوة تفضل بما تريد مناقشته. فبدأ الملحد بعبارة معتادة في مناقشاتهم، معناها تقريبا كما يلي: "ألا ترون أن افتراضا بحجم وجود خالق للكون يتطلب مرجحات كافية لمثل ذلك الافتراض". وبدأ الأخ المسلم حديثه في إطار الإبداع في الكون والكائنات وضرورة وجود صانع حكيم. واشتركت في النقاش وقلت ما معناه: "وجود الخالق ليس افتراضا عندنا بل يقين لا يمكن انكاره، وهو عبارة عن امتداد طبيعي ليقيننا بكينونتنا وطبيعة وجودنا. وإذا أردت أن تتبع الأسلوب الافتراضي في ظل طريقتنا فيجب أن تبدأ بافتراض أننا موجودون، و ذلك غير ممكن". وصمت كل من الملحد و الاخ المسلم. وبعد قليل استمر الملحد بكلامه مع الأخ المسلم وأهمل كلامي وكأنه لم يقرأ ما كتبت، وسايره الأخ المسلم واستمرا في حديثهما الذي انتهى بعد ما قال المسلم ما عنده، وكما توقعت، بقول الملحد (وهي من عباراتهم المعتادة): "كل الكلام عن دقة تكوين الكائنات جميل، ولكن من قال بأن ذلك يتطلب سببا أو حكمة أو يستلزم صانعا؟ أليست بلايين من السنين كافية لتطور الكائنات إلى ما هي عليه الآن؟"، نافيا الفكرة البديهية بأن كل مصنوع يستوجب صانعا. المهم، مما لفت نظري أن الأخ المسلم كما بدا لي لم يلاحظ الصياغة الافتراضية للسؤال الأول، بل بدأ فورا بدليل الحكمة. وذلك ربما يشير إلى صحة ظني بانتشار عدم التمييز بين ما هو قطعي وماهو ظني حتى لدى المثقفين المسلمين.

بالنسبة للملحد، فأظن أنه وجد كلامي "غير علمي" وبالتالي لا يستحق الرد. فالكلام العلمي يجب أن يبدأ كما فعل هو، بافتراضات ثم محاولة ترجيح صحة أو عدم صحة تلك الافتراضات، فذلك هو الكلام العلمي. ويبدو لي أنه وبسبب استغراقه في المنهج الظني للعلم المعاصر، لم يكن قادرا على تصور استدلال يبني على يقينيات وصولا إلى يقينيات أخرى.

يقول الدكتور الفندي في نفس الفصل المشار إليه سابقا، مقارنا الفلسفات القديمة بمعظم الفلسفات الحديثة: "لقد أغرم العالم القديم باعتبار أن العقل أو النظام أو اللوجوس هو نقطة البداية والأصل في الوجود، وهذا بعكس موقف الكثير من الفلسفات الحديثة التي تبدأ من الفوضى أو العماء لتسير منه إلى التنظيم." ثم وضح في الحاشية، قائلا: "ايكارت يبدأ من الظلام كأساس للوجود، وكانط يبدأ من الاحساسات المشوشة المضطربة والتي ينظمها العقل وحده في صورة معرفة. ونيتشة يبدأ من الإرادة العمياء. وبركسون يبدأ من الحياة البيولوجية بكل ما تبطنه من تيارات متضاربة متداخلة كالغريزة والعقل. وفرويد يبدأ من الطاقة أو الغريزة الجنسية كأساس لأفعال الانسان كلها. واصحاب مذهب التطور البيولوجي يبدؤون من أخس الاحياء أو من المادة الجامدة كأساس تطورت عنه كل الاحياء الراقية حتى الانسان وعقله."

المعرفة عند الملحدين تكتنفها الظنيات والصور غير الواضحة، والمشكلة أنهم في وهدة ويتعاملون مع الآخرين وكأن الجميع واقع فيها، وأراهم كثيرا ما لا يترددون في تعميم وجهة نظرهم على جميع أنواع المعارف. ولا عجب أن يؤدي الاستغراق في المنهج العلمي الظني مع ضعف أو عدم وجود خلفية إيمانية تذكر إلى الالحاد.

بالمناسبة، فالنقاش مع غير المتدينين حين يتم على شروطهم (بالبدء بافتراض ثم محاولة ترجيح صحة الافتراض أو عدمه) لا يخفى أنه لا يؤدي إلى اليقين في الحالتين. لذلك أشعر أن الملحد يبتسم حين ينجح في استدراج المؤمن للنقاش وفق شروط المنهج العلمي، لأنه يعلم أن المؤمن لن يفوز بمبتغاه (الجزم بوجود الخالق) مهما كانت نتيجة النقاش. ولكن لهذه المعلومة جانب آخر، فالمنصفون من غير المتدينين عادة ما يصفون أنفسهم بأنهم لاأدريين Agnostics وليسوا ملحدين Atheists موقنين تماما بعدم وجود الخالق (راجع على سبيل المثال مقالة برتراند رسل "Am I an Atheist or an Agnostic?" ). وهي نقطة يمكن استخدامها ضد عتاة الملحدين، إذ أن الإنصاف (على الأقل من الناحية العلمية المنهجية) يتطلب منهم عدم الجزم بعدم وجود الخالق، وبالتالي عدم اليقين بأن المؤمنين بالخالق على خطأ تام، والاقرار بأن هناك دائما احتمال قائم لا يمكن إلغاؤه (بغض النظر عن تقديرهم لحجم ذلك الاحتمال) وفق المنهج العلمي بأن يكون المؤمنون على حق. أي أننا يمكن أن نصف الموقف الإلحادي الصرف بأنه غير علمي وفق شروط المنهج العلمي المعاصر.

ما يظهر لي هو أن الملحد إذا كان متمكنا من فهم المنهج العلمي المعاصر (وذلك لا يصدق دائما)، فإن التسليم له بأن منهجه يصلح كأرضية للنقاش حول مسائل دينية وفق شروط المنهج العلمي، لن يأتي بنتيجة ولا أرى سببا للخوض في ذلك الاتجاه. من ناحية أخرى طريقتنا بالبدء على أسس اليقينيات غير مألوفة بالنسبة لهم ولن يقبلوا بها بسهولة. وأعتقد أن الحوار مع الملحد ربما يتطلب البدء ببذل جهد في بيان أن المنهج العلمي الغربي ليس الخيار الوحيد للنظر الفكري وبيان الفرق بين التفكير على أسس ظنية والتفكير على أسس قطعية قبل كل شيء. فإن قبل الاستماع إلى المزيد فأهلا وسهلا. أما إن لم تكن تلك الصورة واضحة فالخلط في الأمور وارد. وفي جميع الأحوال، كل ميسر لما خلق له.

(2) أين المنهج العلمي الإسلامي؟

ترى ما هي ملامحه الرئيسية؟
أين يجب أن توضع الحدود بين ما يقطع به وما هو متاح للتجربة والظن؟
كيف سنطوره بدون الانعزال عن مسيرة العلوم المعاصرة؟
ما دور علماء الكلام في الموضوع؟

الأسئلة كثيرة، وإطلاعي محدود ولا أشك في ذلك، وربما أكون مخطئا إن قلت أن التعرف على ملامح المنهج العلمي الإسلامي هذه الأيام يحتاج إلى بحث مضن، في حين أنه يجب يكون سهلا على الطالب أو المثقف الإشارة إليه، كما هو الحال في المنهج العلمي الغربي وأسس العقيدة. هناك دون شك جهود "لأسلمة" العلوم، ولكن لا أدري ما مدى تقدم الجهود في هذا المجال. بالنسبة لي، فما أراه في حدود ما اطلعت عليه لم يتبلور بعد في شكل متكامل متسق عام مجمع عليه.

إن لنا في الجهود التاريخية لعلماء الكلام أسوة حسنة، فحين اطلعوا رضي الله عنهم على الفلسفة الالهية اليونانية، كتبوا في علم الكلام وقالوا نعم علم الكلام يشمل دراسة الالهيات ولكن على قانون الإسلام. وآمل أن يكون لأساتذتنا في المناهج العلمية بالتعاون مع مشايخنا السادة علماء الكلام المعاصرين دور مهم في وضع صورة متكاملة تعتبر مباديء العقيدة جزءا لا يتجزأ منها، وأن يأتي اليوم الذي نقول فيه : نعم لدينا بإذن الله منهج علمي كفء لبحث الظواهر الطبيعية والاجتماعية على قانون الإسلام.


الإخوة الكرام، أعتذر عن الإطالة، إذ أحاول في هذه المقالة بيان أهمية الوصول إلى صورة واضحة للمنهج العلمي الإسلامي. فإن أصبت فالحمدلله، وإن أخطأت فأرجو التنبيه والتصحيح وجزاكم الله خيرا، ووفقنا جميعا إلى ما يحب ويرضى.

-------------------

* دراسة أجريت عام 2007 على أكثر من 1500 من أساتذة الجامعات الأمريكية، حاول الباحثون فيها معرفة أهم المؤثرات على عدم التدين ، واتضح أن أهم مؤثر هو مستوى التدين في البيت الذي نشأ فيه الشخص. كلما كانت أهمية الدين أكبر في البيت كلما كان احتمال ميل الاستاذ إلى عدم التدين أقل.

* إقتبست أعلاه معلومة حول دراسات غربية "علمية" أشارت إلى إن هناك علاقة إيجابية بين مقياس الذكاء IQ وعدم التدين. في هذا الرابط إشارة إلى دراسة مماثلة، وتعقيب عليها. إذ يقول الكاتب بأن تلك الدراسة أخذت أرقام مقياس الذكاء عبر عدة دول، ولكن تلك الدول لم تكن متساوية من حيث الدخل الفردي، فبعضها كان أكثر فقرا، فقرر الكاتب مراجعة البحث واستخدام الدخل الفردي بدلا من مقياس الذكاء وتبين له أن العلاقة المقاسة تشير إلى أنه كلما كان البلد أفقر كان أكثر تدينا. مقياس مستوى الذكاء يفترض أن الشخص حصل على تعليم كاف، ولكن كون البلد أفقر يعني أن نسبة أقل من الناس حصلت على تعليم كاف، بالتالي فنسبة الذكاء ليس لها علاقة بالتدين، بل مستوى الدخل له علاقة بالتدين.
طبعا المقصود هو 1) ما ورد في الدراسة عن العلاقة السلبية بين نسبة الذكاء والدين، و 2) الذكاء كما يقومه أصحاب الدراسة والموافق لاختبارات الـ IQ وليس من الضروري أن نتفق معهم على ذلك التقويم.

النتيجة التي انتهى إليها الكاتب: يبدو أنه كلما امتلأت البطون كانت الحاجة إلى التوجه إلى الله أقل.

سبحان الله.

* تذكرت أين قرأت عبارة "على قانون الإسلام"، فقد وردت في البحث التالي للاستاذ سعيد فودة:
وقال الشريف الجرجاني في شرح المواقف مع عبارة العضد:"(ويمتاز )الكلام (عن الإلهي)المشارك له في أن موضوعه أيضا هو الموجود مطلقا (باعتبارٍ وهو أن البحث ههنا )أي في الكلام(على قانون الإسلام)بخلاف البحث في الإلهي فإنه على قانون عقولهم وافق الإسلام أو خالفه."اهـ

دخلت الفلسفة اليونانية إلى العالم الاسلامي وكان فيها المفيد والمخالف، فقام علماؤنا بالواجب ووضعوا أسس علم الكلام.

------------------------
* القسم الثالث:
أهداف المنهج العلمي الإسلامي

الهدف ليس اختراع العجلة من جديد، ولا نقض الجهد الانساني الهائل والإيجابي شرقا وغربا، ولا الانعزال عن العالم، ولا محاولة فرض رأي على غيرنا. المسألة بسيطة ولكن أساسية، فالتداخل الثقافي أمر لا مفر منه، والمساهمة في عمارة الأرض من واجباتنا. الفلسفات متعددة وطرق النظر متباينة، ولنا هدف أسمى هو التقيد بأسس عقيدتنا وشرعنا. ، الأفكار كثيرة والمعلومات وفيرة وتأتي من كل حدب وصوب، وأقل ما نسعى إليه هو عملية تنظيم للأفكار وفق قواعدنا وعاداتنا، ووضع "فلاتر" وآليات مساعدة تعبر عن عقيدتنا.

الأهداف الرئيسية للمنهج العلمي الإسلامي:

1) توضيح الصورة لأبناء المسلمين فيما يخص العلاقة بين الجانب الاعتقادي والعملي.
2) المسلمات التي نبدأ منها، والتي تعبر عن اعتقادنا في طبيعة وأصل الوجود.
3) مدخل للتعرف على أسس العقيدة، وبأنها ليست شيئا للمختصين فقط، بل للجميع.
4) توسيع نطاق ما يهتم به العلم، فلا يقتصر على جوانب مادية بل يتم ادخال القيم والعوامل الاخلاقية ضمن نطاق أشمل "للقوانين" والأسباب والمسببات.


1) توضيح الصورة لأبناء المسلمين فيما يخص العلاقة بين الجانب الاعتقادي والعملي.
-
الاحصائيات التي توضح أن نسبة الملحدين في الولايات المتحدة هي أقل من 10% في المجتمع ككل ثم تتزايد مع ارتفاع المستوى التعليمي هي إحصائيات ملفتة للنظر. فمن هي الفئة التي تأثرت أكثر ومالت الى الالحاد؟ أما من تربوا على الالحاد فليس الكلام عنهم، ولكن الكلام عن المتدينين وهم الأغلبية.
ما يبدو لي هو أن المشكلة غالبا ليست قائمة بالنسبة للمتدينين الذين تربوا في بيئة تأخذ الدين بجدية وتربوا على أداء الشعائر الدينية، وخصوصا إذا ما تشربوا أسس النظام الفكري الديني عمليا عن طريق سلوكيات وكلام من حولهم قبل أن يتلقوه في دروس علمية. حاولت في المشاركة الأصلية حين قلت "ليست لدي إحصائيات مقابلة عن أي مجتمع مسلم، " أن أصل إلى نقطة وهي أن الإيمان يحمي ويحصن المسلم ضد مشاكل مثل التيارات الفكرية غير المتفقة مع عقيدته. و الدراسة التي ذكرتها في المشاركة رقم 3 وجدت ما يشير إلى نفس الشيء.
والشخص الذي يبدو أنه معرض للانحراف هو المتدين الذي ربما لم يجد في نشأته ما يكفي من النصح والتوجيه وتصحيح السلوك وتلقي أسس الاعتقاد، وفي هذه الحالة، فإن النهج العلمي الغربي، بدءا من المرحلة الجامعية، قد يكون أول نظام فكري تلقاه ذلك الشخص بجدية استوجبتها رغبته في النجاح وأمله بمستقبل جيد. في تلك الحالة، فمن الوارد أن يؤدي التعرض إلى تيار فكري منظم ومتسق عقلانيا مع عدم وجود أساس قوي إيمانيا، إلى الاقتناع التدريجي بذلك النهج مع تكرر الابحاث وتتالي النظريات ومشاهدة الانجازات المادية المقاسة. المشكلة ليست هنا، ولكن في تعميم وجهة النظر العلمية على كل ما يمكن أن يعرف.

من هنا تبرز في رأيي أهمية وضوح أسس العقيدة قبل أن يتقدم أبناء المسلمين للدراسة الجامعية. فهذا هو حائط الصد الأول ضد الإلحاد.


2) المسلمات بين العلم والدين
الاعتقاد هو أساس لا يمكن من دونه الانطلاق في تكوين نظام فكري. الملحدون عادة ما يصفون العبادات بأنها مبنية على إعتقاد Faith وليس على أساس علمي منطقي. وهو كلام لا يتسق مع حال العلوم الحديثة. فإذا نظرنا إلى أي تخصص علمي، سنجد أنه يبدأ بمسلمات ليس لها أساس سوى اتفاق وترجيح أولي الرأي والفهم في ذلك التخصص بأنها تصلح أساسا يبدأ منه البحث العلمي. هذا كل ما في الأمر. ولا بد من تلك الأسس المسلم بها لسبب بسيط، وهو أن أي بحث يتطلب مقدمات يعتمد عليها ليتقدم نحو نتيجة مفترضة تتم محاولة ترجيح صحتها أو عدم صحتها لمعرفة إن كانت قابلة للاعتماد عليها، ولكن تلك المقدمات من أين جاءت؟ جاءت كنتائج تم ترجيح صحتها بناءا على مقدمات قبلها، فهل سيستمر الأمر على هذا المنوال إلى مالانهاية؟ طبعا لا، ومن هنا إقرارهم عمليا بأن التسلسل محال، وتسليمهم بحتمية البداية بمقدمات أساسية توضع وضعا بناءا على رؤى مبدئية لا أجد وصفا لها سوى أنها إعتقاد بطبيعة وأصل الوجود، وليس على أساس "علمي منطقي" يطالبون به المؤمنين. واضح أنهم يحاولون تجنب استخدام كلمات مثل معتقد وميتافيزيقيا واستبدلوها بمسلمات ولكن المقصود في النهاية هو نفس الشيء. وبينما الاعتقاد الأساسي العلمي لا يمكن لهم إرساؤه على شيء بل وضعه وضعا، فإن المؤمن يعلم بأن إعتقاده له أصل متين راسخ، فهناك الوحي المنزل على سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم وسنته، ثم هناك علم ورثه الورثة المحققون، وهو علم أساسه ليس التخمين أو الترجيح بل اليقين والجزم بما هو الأمر عليه بخصوص طبيعة وأصل الوجود الإمكاني. (ولا يقف الأمر عند اليقين فهناك شهود أهل الذوق والعرفان).
بالنسبة للعلماء المعاصرين، فالإشارة الوحيدة إلى أن المسلمات التي بدأوا بها في التخصص معقولة ومقبولة هي الحصول على نتائج في حدود المتوقع، ولكن العلماء دائما ما يؤكدون أن تكرار الحصول على النتائج في حدود ما هو متوقع ليس دليلا على أن المسلمات نهائية، وهو إقرار يوضح طبيعة الأسس، ويوضح الطبيعة الحذرة للبحث العلمي، الذي يخطو خطوات استكشافية في عالم يقر أتباعه بأنهم لا يعرفون عنه كل شيء.
مثل هذا الاقرار جيد وصحي بالنسبة للعلوم الدنيوية ويناسبها تماما، ويتفق مع وجهة النظر الدينية بأن الإحاطة التامة هي لله عز وجل. ولكن المشكلة حين يظن البعض بأن هذا السلوك يصلح ليعمم على كل ما يمكن أن يعرف، ففي الدين هناك أمور غيبية قد لا نعرف عنها إلا القليل ولكن نجزم بها ولا نستطيع أن نعاملها معاملة الأمور الدنيوية. فالعلم الدنيوي هو عن أمور احتمالية ونظريات يمكن اختبارها، والعلم الديني ليس كذلك، فهو يتعلق بحقائق يمكن معرفتها على درجات من الادراك والفهم. العالم المعاصر يبدأ بالتساؤل والشك والظن والتخمين ومهما عرف فقد يقل شكه وظنه ولكن حسب فهمي فالتخلص تماما من الشك ليس واردا. وهذا الاسلوب لا يصلح في الدين. فالدين يبدأ باليقين والجزم، وقد يتطور إلى شهود وتحقق في درجات عالية من المعرفة. والآيات القرآنية عديدة حول أهمية الإيمان واليقين.

نعم الوجود واحد سواء بالنسبة لمن ينظر من وجهة نظر علمية صرفة أو لمن ينظر من وجهة نظر دينية صرفة. ولا مناص في الحقيقة من أن توجد وجهة نظر موحدة تغطي مساحة المعلومات في العلم والدين في نفس الوقت وتزن الأمور وتعطي كل جانب الاهتمام المناسب. والوصول إلى مرحلة يتحقق فيها مثل ذلك الإدراك والشمول والعمق في الرؤية هو هدف نبيل وستكون له فوائد جمة إن شاء الله. لكن البداية من حيث نقف، أعتقد أنها يجب أن تكون بمعرفة وفهم طبيعة كل من الموقفين أولا، وأين وإلى أي حد يقبل كلام العالم الدنيوي وكيف نفرق بين ما يندرج تحت اختصاصاته وما لا يندرج.
ما يبدو لي أن النظرة الشاملة أصعب أن تتطور من حيث يقف العلم الحديث مقارنة بحيث يقف علماء الدين. وذلك لأنه على حسب فهمي فمن ناحية معرفية بحتة فالأفق الذي يغطيه الدين أوسع كثيرا مما يغطيه العلم. والمطلوب هو فهم علماء الدنيا للدين دون شك، ولكن أعتقد أن الأكثر إلحاحا هو فهم علماء الدين للعلوم الدنيوية، حتى يتحقق التقارب المأمول.

الإخوة الأفاضل، هي مجرد أفكار وملاحظات شخصية تحتمل الصواب والخطأ، ومحدثكم بعيد عن أي تخصص أكاديمي في مثل هذه المواضيع، التي لا شك لها فرسانها المتخصصون. ففضلا، أخذ ذلك في الاعتبار.

----------------------
القسم الرابع:
* أخطاء شائعة في فهم العلوم المعاصرة

الإخوة الكرام،

سأذكر فيما يلي عبارات سمعتها أو قرأتها عن العلم الحديث، وهي في حدود علمي غير صحيحة.
ولا أجد نفسي مؤهلا للخوض في هذه المواضيع، وهذه المشاركات ليست إلا محاولة محدودة على قدر فهمي للموضوع، للفت النظر إلى أهمية تصحيح بعض المفاهيم الشائعة عن العلوم المعاصرة. وليس الهدف الانتقاص من أهمية العلوم، بل التنبيه فقط إلى عدم وجود "هالة اليقينيات" التي يبدو لي أن البعض يرى أنها تحيط بتلك العلوم، والتأكيد على أنها علوم ظنية. وقد يكون فهم هذه النقطة مهما قبل أي محاولة للربط بين المفاهيم الدينية والعلمية المعاصرة.

* أذكر في مقالة لأحد المثقفين المسلمين إستخدامه لتعبير معناه : "أن العلم مبني على يقينيات قائمة على التجربة". في مقالة أخرى استخدم كاتبها تعبير معناه "أن العلم الحديث يكشف الحقيقة كما هي في الواقع".

* وفي حديث مع أحد الإخوة، إستخدم عبارة "الحقائق العلمية الثابتة". فقلت له "لا أذكر أن هذا التعبير قد مر علي فيما قرأت عن المنهج العلمي المعاصر"، فأصر على أنه تعبير صحيح، فقلت له "يا سيدي إعطني مثالا لما تعنيه"، فذكر عملية نشأة الجنين والمراحل التي يمر بها حتى الولادة، ثم قال "أليست هذه حقيقة علمية ثابتة لم نكن نعرفها؟".

*صديق أخر قال لي يوما "هذه الطائرات والسيارات، أليست دليلا على حقائق علمية توصل إليها العلم الحديث؟".


1) النقطة الأخيرة هي مثال آخر على الخلط بين المستوى الاعتقادي والتطبيقي للفكر. فالآلات والأدوات والمخترعات هي نتائج تطبيقية أساسها رؤية معينة، وبناءا عليها يأتي الجهد والإبداع وتراكم الخبرة في المجتمع مع مرور الزمن، وبناءا على ذلك نرى ما نراه من منجزات. ترى لو اختلفت الرؤية الأساسية وكانت أوسع أفقا (مع افتراض توفر نفس الجهد والإبداع وتراكم الخبرة والفترة الزمنية) فما نوع الآلات والمخترعات التي كنا سنحصل عليها، وما طبيعة النظم الإدارية والعلاجات النفسية التي كنا سنصل إليها؟ أعتقد أن سؤالي متعلق بالمستوى الاعتقادي بينما سؤال الأخ الكريم متعلق بالمستوى التطبيقي. هذا أولاً. ثانيا، الحديث عن "حقائق علمية" يأتي في الإجابة التالية.

2) التفكير العلمي الحديث يبدأ بمسلمات، ثم يجمع المعلومات عن ظاهرة معينة، ثم يحاول الربط بين المعلومات وتفسير وفهم سلوك تلك الظاهرة ثم تجربة ذلك الفهم لمعرفة مدى ملائمته للواقع. الأخ الفاضل الذي استخدم مثال مراحل تطور الجنين يتحدث عن جمع المعلومات وليس عن تفسيرها. معرفة تفاصيل تطور الجنين تمت في الفترة الأخيرة بفضل تطور الأجهزة والمعدات التي تسمح بذلك، وهي عملية جمع للمعلومات وليست تفسيرا لها.
معرفة أن للإنسان مثلا كليتان من المعلومات عن الواقع على ما هو عليه وهي معروفة منذ القدم. لكن تفسير عمل الكليتين يعتمد على من تستمع إليه. الطب الحديث يركز على وظائف الكلية مثل تخليص الجسم من المواد الضارة والحفاظ على توازن السوائل فيه. الصينيون يرون أن للكلى بالاضافة إلى وظيفتها العضوية علاقة بجوانب أخلاقية وبحالات نفسية معينة، فهم يربطون الخوف والقلق بضعف في الكلى، وعلاج الكلية في نظرهم يؤدي إلى تقليل الخوف والقلق في الإنسان. وتطور الجنين مثال آخر، إذ أن العلماء غير المسلمين ليس لهم أي إهتمام بأهمية نفخ الروح ومتى يتم ذلك، بل ليس لديهم اهتمام بالجانب الروحاني أساسا. وهذه أمثلة توضح العلاقة الوثيقة بين الاعتقاد وتفسير الظواهر.

ما أريد الوصول إليه هو أن جمع المعلومات أمر مختلف عن فهم وتفسير تلك المعلومات.

بالنسبة لجمع المعلومات في حد ذاته، فقد اهتم العلماء بها كثيرا، وقد تم تطوير علم الإحصاء لهذا الغرض وليس هناك علم تجريبي إلا ويعتمد على الطرق الإحصائية. ولا تعتبر الدراسة التجريبية علمية ما لم يصحبها إستخدام الأدوات الإحصائية. وتعتبر الإحتمالات من المقدمات الأساسية في دراسة علم الإحصاء.
من اختصاصات علم الإحصاء طرق جمع وتقييم المعلومات. والمعلومات التي يتم جمعها عن متغيرات معينة ليست أبدا إستقراءا تاما للواقع، بل مجرد عينة فقط عن الواقع. وأول ما يطرأ على الذهن بعد جمع معلومات العينة، هو مدى تمثيلها لمجتمع العينة، لذلك فأول ما يجري هو محاولة إعطاء درجة من اليقين بمدى تمثيل تلك العينة للواقع، أما أن تكون العينة ممثلة تماما للواقع فليس واردا وليس افتراضا علميا من الأساس.
بعد جمع المعلومات تأتي محاولة تفسير وفهم ظاهرة معينة بقياس العلاقة بين المتغيرات، وإعطاء تلك القياسات درجات من الثقة أيضا.

حسب المعجم الوسيط فإن "الحقيقة: الشيء الثابت يقينا. وحقيقة الشيء: خالصه وكنهه. وحقيقة الأمر: يقين شأنه."
وما فهمته هو أن اليقين التام غير متحقق في العلوم الحديثة ولا يدعيه العلماء المعاصرون، لا في جمع المعلومات ولا في محاولة تفسيرها، بل هم يؤكدون عدم صحة ذلك.
لذلك لا أرى صحة وصف "ما وصل إليه العلم المعاصر" باليقينيات أو "الحقائق العلمية". بدلا من ذلك يستخدم العلماء عادة تعبيرات مثل "درجة معقولة من الثقة" Reasonable Confidence.


3) بالنسبة للاستشهاد بانجازات أساسها تطور في مجال الفيزياء. فيبدو لي أن تلك الملاحظة قائمة على شيء من الانبهار بمدى الدقة وسعة فهم قوانين الطبيعة.

* فيما يخص الدقة Accuracy/Precision فهي مسألة نسبية وليست مطلقة، فهناك حدود سواء بالنسبة لطرق وأدوات القياس أو بالنسبة للحاجة العملية إلى درجة "الدقة الكافية" في استخدام أو مجال معين.

* بين العلوم الإجتماعية والعلوم الطبيعية هناك فرق في الدقة ونسبة الخطأ في القياسات والتوقعات ، إذ عادة ما تعتبر العلوم الطبيعية أكثر دقة وأقل خطأ خصوصا في مجال مثل الفيزياء ولكن ذلك الفرق لا يخرج مجال الفيزياء من أن يكون مجالا تطبيقيا تجريبيا معرض للخطأ. والفهم العلمي للظواهر يعبر فقط عما وصل إليه العلم حتى لحظة معينة ولا يعتبره العلماء نهائيا. ولو كانت الدقة مطلقة لتطابق مجالي الفيزياء التطبيقية والفيزياء الرياضية (التي تهتم بالنواحي النظرية فقط) ولكن ذلك غير قائم. ولو كانت الثقة تامة بما يصل إليه العلم لما كانت هناك حاجة للأبحاث المستمرة، ولاكتفينا مثلا بفهم قوانين نيوتن والهندسة الإقليدية ولما أمكن حينئذ لأينشتاين التفكير في النسبية.
يبدو لي أن هناك انبهار يشعر به البعض عند مشاهدة إطلاق الصواريخ إلى الفضاء. ولكن علماء الفضاء حتى بعد خمسين سنة من الخبرة المتراكمة، لا يزالون يحبسون أنفساهم عند كل عملية إطلاق جديدة، لأنهم يعون المحدوديات العملية والتقييدات النظرية التي تكتنف المجال العلمي بصفة عامة ومجالهم بصفة خاصة. وهو إقرار منهم بأن علمهم ليس من اليقينيات وأن هناك دائما احتمال لوجود معلومات مجهولة وغائبة عنهم، وأعتبر ذلك الحذر شيئا جيدا.

----------------------------
القسم الخامس
* دراسة الدكتورة إيكلوند حول التدين في البيئة الجامعية

* هناك دراسة للباحثة الاجتماعية الدكتورة إيكلوند عن التدين وأساتذة الجامعات الأمريكية، والتي أشرت إليها في المشاركة رقم 3، ويمكن البحث عن الدراسة وهي بالعنوان التالي:

Religion and Spirituality among University Scientists
By Elaine Howard Ecklund


وقد أشارت الباحثة إلى ما لفت إنتباهي وهو أن أصحاب التخصصات العلمية المختلفة ليسوا سواء في التدين، حسب كلامها فقد وجدت عدة دراسات سابقة وبشكل متكرر أن العلماء المتخصصين في العلوم الطبيعية أكثر تدينا من أقرانهم في العلوم الاجتماعية. وقد وجدت الباحثة مثل ذلك الفرق في بحثها ولكنه بالنسبة لها لا يستحق الاهتمام مقارنة بالفرق الكبير في نسبة المتدينين بين مجموع أساتذة الجامعات والمجتمع ككل، وهو ما أكدته أيضا دراسات سابقة متعددة.
الملفت بالنسبة لي هو ما ذكرته في المشاركة السابقة عن صغر حجم الاخطاء نسبيا وبالتالي ربما بصفة عامة إنخفاض مستوى الشك والظن نسبيا في مجال العلوم الطبيعية مقارنة بالعلوم الاجتماعية، وتساؤلي هو إن كان لذلك علاقة بزيادة نسبة المتدينين في مجال العلوم الطبيعية.

* إحصائيات أخرى جديرة بالاهتمام في نفس الدراسة السابقة: 22% من العلماء الملحدين و 27% من العلماء اللاأدريين يقولون أنهم يعتبرون أنفسهم مصدقين وشاعرين بوجود جانب روحاني وإن لم يكونوا منتمين إلى دين أو موافقين على تفسيرات دينية. وأعتقد أن هذه المعلومة مهمة.
سبق وتحدثت عن الأثر المحتمل للاستغراق في المنهج الظني العلمي على الإيمان، وهذه الفئة بالذات يبدو أنها مقتنعة تماما بالمنهج العلمي وفي نفس الوقت تشعر بالجانب الروحاني ولكنها لم تجد ما يربط بين المنهج العلمي وبين ما عرفوه أو فهموه من المفاهيم الدينية في مجتمعهم.
أعتقد أن ذلك يمكن أن يعتبر حافزا إضافيا لمحاولة الخروج بمنهج علمي إسلامي. إذ يبدو لي أن ما يقرب من ربع العلماء المعاصرين غير المتدينين مستعدون للقراءة عن منهج يربط الدين بالعلم، ولكن فقط إن أمكن الوصول إلى تفسير يتوافق مع ما عليه المنهج العلمي المعاصر الآن والفهم الديني.
أظن أن التعريف بالاسلام يصلح أن يكون هدفا إضافيا للمنهج العلمي الإسلامي.

-----------------------

القسم السادس
* الاقتصاد الإسلامي كبيئة مبكرة لاستشفاف الملامح  المحتملة للمنهج العلمي الإسلامي

من بين العلوم المختلفة، يبدو لي أن علم الإقتصاد الإسلامي حظي بأفضل الظروف المواتية لتطوير منهج علمي يتوافق مع الأسس الإسلامية. وقد يكون السبب الرئيسي في ذلك هو أهميته في توفير الأطر والآراء العلمية للعمل المصرفي الإسلامي. فبالاضافة إلى البنوك الإسلامية هناك بنوك غربية صارت تتنافس في تقديم خدماتها وفق شروط الاقتصاد الإسلامي لأبناء المسلمين الراغبين في استثمار أموالهم بطرق شرعية. ومراكز الابحاث المتخصصة في الاقتصاد الاسلامي والتي يبدو أنها ممولة بشكل جيد، تنتشر في الدول الإسلامية والغربية على حد سواء. ولذلك أظن أن الإطلاع عن كثب على الجهود المبذولة في الاقتصاد الإسلامي قد يعطي فكرة عن ملامح المنهج العلمي الإسلامي.

في مؤتمر الإقتصاد الإسلامي الذي عقد الأسبوع الماضي (في الفترة 1-3 أبريل 2008) قدم أ.د. أنس الزرقا (وهو ابن الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله) ورقة بعنوان :

ثنائية مصادر المعرفة في علم الاقتصاد الإسلامي ونتائجها المنهجية

أهمية رأي الدكتور أنس يوضحها الدكتور تاج الدين الذي قال :
لا يخفى على المطلع في أدبيات الاقتصاد الاسلامي ما يوليه الأخ الدكتور أنس الزرقاء من اهتمام عميق بقضية المنهجية. فهو أول من قدم عملاً علمياً رصيناً في منهجية الاقتصاد الاسلامي بعد الانطلاقة العلمية الراهنة التي استنارت بتوصيات المؤتمر العالمي الأول في مكة المكرمة عام ١٩٧٦ م، وكان هو أحد روادها. وليس مستغرباً أن ذكر المنهجية لا يكاد يرد في أدبيات الاقتصاد الاسلامي الجارية دون الاشارة الى الموقف المحوري للدكتور أنس من حيث النظر لعلم الاقتصاد الاسلامي على أنه نتاج عن تلاقح مادة الشريعة الاسلامية بمادة الاقتصاد الوضعي. positive economics

ما في ذهني هو منهج علمي إسلامي عام والتركيز في ورقة الدكتور أنس هو على الإقتصاد الإسلامي طبعا، ولكن أظن أن لآرائه جوانب يمكن تعميمها.

وقد لفتت نظري المقتطفات التالية من ورقته:

*
يقوم علم الاقتصاد الإسلامي على ركيزتين هما الاقتصاد التقليدي والشريعة الإسلامية وفقهها . ولهذه الثنائية نتائج تبينها هذه الورقة، منها أن نقص المعرفة بالشريعة أو بالاقتصاد يؤدي لأخطاء، وأن ذلك النقص هو أهم عقبة أمام تقدم هذا العلم.

*
هدف هذه الورقة : هو إقناع كل من الاقتصاديين والشرعيين بأهمية الاستفادة من ثنائية مصادر المعرفة في الاقتصاد الإسلامي وتعلم كل فريق من الآخر،

*
٢- الأسئلة والقضايا التي تناولتها هذه الورقة
علم الاقتصاد الإسلامي هو علم بيني interdisciplinary يستمد بعض مقوماته من المعارف الإنسانية المتصلة بأمور المعيشة وتقع ضمن علم الاقتصاد التقليدي، وبعضها الآخر يستمده من الشر يعة الإسلامية وما يتصل بها من الفقه . وبهذا يتميز الاقتصاد الإسلامي عن مصدريه: الاقتصاد التقليدي وعن الفقه. إن ثنائية مصادر المعرفة هي قضية أساسية تثير في علم الاقتصاد الإسلامي مسائل منهجية كثير منها لا يثور في الفقه ولا في الاقتصاد التقليدي و تتناولها هذه الورقة .


*
– ما تعريف الاقتصاد الإسلامي
(أ) ثمة اتجاهان ، أولهما يعرف الاقتصاد الإسلامي بأنه العلم الذي يدرس الحياة المعيشية لمجتمع يتبع الشريعة الإسلامية، فلا يدخل في نطاقه المجتمعات الأخرى.
(ب) والثاني يعرفه بأنه علم الاقتصاد المستهدي بالشريعة الإسلامية، فيشمل في نطاقه جميع البشر مسلمين وغيرهم ، في سلوكهم الاقتصادي ومؤسساتهم وسياساتهم ، حتى ما كان من ذلك مخالفاً للشريعة . باختصار : علم الاقتصاد الإسلامي هو علم الاقتصاد المتواصل مع الشريعة الإسلامية.
(ج) والذي أختاره بلا تردد هو التعريف الثاني ، لأسباب أهمها : انسجامه مع عالمية الإسلام، دعوة ونظاماً ، ومع الأمر القرآني بالاعتبار بقصص الآخرين . كيف تحسن دعوة الآخرين إن كنت لا تدرس واقعهم، وكيف تستخلص العبر مما لا تدرس؟
(د) بعض نتائج تبني التعريف الثاني:
• لابد أن نتعلم ونمحص كل المعارف الإنسانية المتراكمة في مجال الاقتصاد، بمختلف مذاهبها ومدارسها وفروعها، بحيث نتمكن من وضعها في موقعها الصحيح من إطار الشريعة.
• لابد أن نحدد بدقة المقصود "بوضعها في إطار الشريعة "أو تحقيق "التواصل بين علم الاقتصاد والشريعة".

*
ظنية علم الاقتصاد وبعض قضاياها.
كيف ندعو إلى أن يشمل علم الاقتصاد الإسلامي جميع المعارف الاقتصادية الإنسانية ، ومنها ما هو خطأ ، أو ظني ، أو مخالف لبعض أحكام الشريعة. كما أنها جميعا عرضة للتغيير والتصحيح حتى عند القائلين بها؟
الجواب: إن شمولها مقصود به دراستها مهما كانت ، ثم تمحيصها لنستبعد ما يظهر خطؤه وننقح ما فيه قصور أو شطط.
أما أن تلك المعارف ظنية فهذا صحيح في الاقتصاد ، وفي كثير من العلوم الأخرى التي لا يتردد الفقهاء في الاستناد إليها في تطبيق الشريعة على الواقع (كالطب مثلاً).
ولا خلاف بين كبار الفقهاء في أن اتباع الظن الراجح واجب وليس مباحاً فقط في الأحكام العملية، دينية كانت أم دنيوية (وهي المقصود بهذا البحث دون الأمور الاعتقادية).

ماذا عن تبدل نظر الاقتصاديين فيما كانوا يرونه بالامس صوابا ويرونه اليوم خطأ ، وعسى أن يتغير ظنهم الراجح حوله بعد حين.
هذا لا ينكر وقوعه ؟ و هو شأن العلوم الإنسانية ، وقد قبلت منا الشريعة أن نجتهد في العلم والتطبيق وفق الظن الراجح حين اتخاذ القرار.


آراء الدكتور أنس المفيدة والقيمة عقب عليها أ.د. عبدالرحمن يسري أحمد تعقيبا مهما،

جاء في تعقيب الدكتور عبدالرحمن يسري:
*
لكننا يجب أن نتوقف هنا لنقول أن الشريعة الإسلامية ومايتصل بها من فقه بينما تمثل إطاراً حتمياً للاقتصاد الإسلامي لايمكن أن يخرج عنه ، لكنها ليست كل شئ من الجانب الخاص بالإسلام. فنحن لا ينبغى أن نغفل عن تمييز مستقل "للعقيدة الإسلامية"، وأن التمسك بالعقيدة
الإسلامية ومافى جعبتها من مثل اخلاقية قيمة ودوافع ايمانية راقية لايطلع على حقيقتها إلا الله ضرورية لايمكن التقليل من ضرورتها لاستمرار و لإكتمال الصرح العلمى للاقتصاد الإسلامي فكراً أو نظاماً .

*
بل ويستطيع الباحث الاقتصادي الإسلامي أن يستفيد ماهو أكثر من النظريات التى ظهرت في علم الاقتصاد عموماً . فهذه النظريات بطبيعتها التى ترتبط بظروف البشر التى لاتستمر على حال واحد أبداً فهى عرضة بطبيعتها للتتقادم والتغير ويلزمها أن تتجدد . أن الذى يفوق هذه النظريات في الأهمية هو الأساليب التحليلية والمناهج العلمية التجريبية التى تكونت لدي المفكرين من الاقتصاديين على مدى زمن طويل والتى استطاعوا بها أن يقترحوا فروضا تنظيرية واستطاعوا بها أن يختبروا فرضياتهم . هذه الأساليب والمناهج العلمية هي التى تستأهل أن نتعلمها حتى نتمكن من تطوير بعض النظريات العامة داخل الأطر الشرعية والعقدية الإسلامية.

أظن أن الدكتور عبدالرحمن عبر صراحة وبشكل جيد عما قد يفهم ضمنا من كلام الدكتور أنس.
ومما فهمته من كلام الأستاذين الفاضلين خرجت بما يلي:

1) خلافا للعلوم الغربية المعاصرة التي تستند فقط على مسلمات تم ترجيح صلاحيتها من قبل المختصين فيها، فإن العلم الإسلامي يستخدم نوعين من المسلمات ، مسلمات لا تقبل التعديل ومسلمات يمكن إختيارها وترجيح صلاحيتها من قبل العلماء.

2) أهمية الفهم الصحيح لأسس العقيدة ولمنهج العلوم العصرية للوصول إلى أفضل صورة عملية للمنهج العلمي الإسلامي، ومن ثم إلى صور عملية للنظريات العلمية المتفقة مع الشريعة والعقيدة الإسلامية.

3) المنهج العلمي الإسلامي هو منهج علمي يجب أن تتوفر فيه الكفاءة في بحث الظواهر مع أخذ عناصر في العقيدة الإسلامية والشريعة الاسلامية كمحددات ومسلمات. ولا يوجد ما يمنع أن يكون المنهج الاسلامي عالمي متاح للبشرية جمعاء.

4) كما قال الدكتور أنس، ففي علم الاقتصاد أمور متعلقة بالنواحي الفقهية توجب الخروج بمنهج متفق مع الشريعة الإسلامية. وبعد إدخال تعقيب الدكتور عبدالرحمن في الصورة، فما يغلب على ظني هو أن الوصول إلى صورة واضحة لمنهج علمي إسلامي عام يصبح واجبا حين نأخذ في الإعتبار الآثار المحتملة التي تم ذكرها في مشاركات سابقة أعلاه عن إمكانية تأثر اعتقاد بعض المسلمين بسبب التعرض المستمر للمنهج العلمي الغربي مع عدم وجود فهم كاف لأسس العقيدة الإسلامية. حيث يصبح المنهج العلمي الإسلامي وسيلة وقاية ووسيلة تعليم وتوعية وترسيخ لأسس العقيدة في نفس الوقت، بالإضافة إلى كونه وسيلة لدراسة الظواهر.


إذا قبلنا النقطة الأولى سيتميز العلم الإسلامي عن الغربي تميزا أساسيا. فالأخير لا يعترف بمفاهيم مقدسة، وكل مسلماته قابلة لإعادة النظر والتعديل أو الاستبدال إن لزم الأمر. نعم، هناك مسلمات مستخدمة منذ فترة طويلة، وهي باقية فقط لأنها تبدو صالحة "حتى اللحظة" ولم تظهر أسباب تستدعي تعديلها أو استبدالها.


ملحوظة: في موضوع "التصوف وعلم النفس"، حين ذكر السيد حميد أن عالم النفس المسلم يؤصل فكره بناءا على الكتاب والسنة، بدا لي من مجمل كلامه أنه لا يسعى للخروج عن أسس المنهج الغربي المتعارف عليها، ولذلك قلت أن التأصيل في تلك الحالة سيتطلب وضع أمور قطعية في الدين في قالب ظني. وفي تلك الحالة فإن التأصيل سيكون سطحيا ولا يختلف كثيرا في جوهره عن محاولة حركة التصميم الحكيم.
ولكن إن كان السيد حميد يقصد ما فهمته من كلام أستاذي الاقتصاد الفاضلين بأن التأصيل يمكن أن يصل في عمقه إلى المسلمات الأساسية والمنهج، أكون مخطئا في فهم كلامه، وإن كنت لا أظن أن علم النفس في تلك الحالة سيبقى العلم المعروف والمقبول لدى الغربيين كما أن الاقتصاد الإسلامي لا يمكن مساواته بعلم الاقتصاد المعروف لديهم، ولكن من يدري ، فقد يكون ذلك تحركا نحو مستقبل أفضل للجميع.

----------------------
القسم السابع:
* تعليق على كتاب للدكتور آلان تشالمرز

فيما يلي ما قد يوضح مدى شيوع الاخطاء في فهم العلم الحديث، وكيف أن وجودها في بعض الكتابات العربية قد لا يكون بسبب سوء فهم من كتابنا بقدر ما هو تسرب لسوء فهم موجود أصلا لدى فئة من الكتاب في الغرب.


هناك كتاب معروض في موقع أمازون (هنا) بعنوان :
What Is This Thing Called Science: An Assessment of the Nature and Status of Science and Its Methods
أو: "ما هذا الذي يسمى العلم: تقويم لطبيعة العلم وطرقه ووضعه الحالي " للكاتب ألان تشالمرز.

أحد المعلقين على الكتاب قال بتاريخ 16-7-2006 :
هذا الكتاب معروف ومشهور منذ اكثر من عقدين [هذه هي الطبعة الثالثة له].

أحد القراء المهتمين بالكتاب علق بتاريخ 4-12-2005 كما يلي:
أختلف مع المؤلف، فهو يعترف للقاريء في الصفحة 169 بأنه يعتقد أن فلسفة العلوم، ومن ثم كتابه، لا يساعد العلماء. ويدعم زعمه بقوله أن كتابه بصفة رئيسية يهاجم بقوة إعتقاداتنا الإجتماعية [ايديولجيا المجتمع] حول العلم (مثل ربط العلم بثقة تامة بالحقيقة، أو وجود رأي مستقر بأن العلم هو ببساطة بوفيه مفتوح للأفكار التي يمكن الاختيار من بينها). وأتفق مع هذا القول، بل وأقول أن مثل هذه الايديولوجيات موجودة وبشكل واضح حتى في المجتمع العلمي. يبدو أن المؤلف يفترض أن كتاباته لن يقبلها العالم الممارس في مجال علمي. وقد يكون ذلك الافتراض صحيحا، ولكن مما ثبت لدي يبدو أن العلماء (خاصة غير الخبراء مثلي) ربما يستفيدون من هذا الكتاب.
وأنصح بقراءة الكتاب فقط أولئك العلماء الممارسين الذي يمتلكون الشجاعة للسماح بميكروسكوب المؤلف بفحص معتقداتهم [عن العلم] ومبررات وجودهم [كعلماء].

قاريء آخر قال بتاريخ 13-7-1999 :
كثيرا ما تدرس العلوم بدون أن تؤخذ طبيعة عملها من الداخل في الاعتبار. فالتركيز هو على الآليات [ميكنة البحث العلمي] بينما التطرق إلى الاعتبارات الفلسفية [قليل] ولا يكفي لإبقاء العلوم أمينة وخالية من الإعتقادات [دوجما] قدر الإمكان. وقد نجح هذا الكتاب وبدقة في شد انتباهنا إلى الطرق المختلفة التي يتم بها تبرير الإيمان بالعلم، وكيف يفشل بعضها في تلك المحاولة.
أجد الكتاب إضافة أساسية وحيوية لمكتبة طالب العلم الحديث لتساعده في دراسته، وكذلك للأساتذة الذين من خلالهم قد يظهر العلماء الأمناء.


وفيما يلي محاولة لترجمة مقاطع من مقدمة الكتاب (وهي متاحة للقراءة في الرابط المذكور على أمازون):

1)
العلم الحديث يحظى بالتقدير والاحترام . وواضح أن هناك إعتقاد منتشر بأن ثمة ما يميز العلم وطرقه. تسمية زعم معين أو طريقة تفكير معينة أو بحثا ما بأنه "علمي" يحدث بأسلوب مقصود منه إضفاء قيمة أو شعور بأنه من الممكن الاعتماد على المراد تسميته. ولكن ماذ يميز العلم، إن كان هناك ما يميزه؟ ما هي هذه "الطريقة العلمية" التي يزعم أنها تؤدي إلى نتائج قيمة يمكن الاعتماد عليها؟ هذا الكتاب هو محاولة لتوضيح إجابة عن هذا النوع من الأسئلة.
هناك العديد من الشواهد من حياتنا اليومية على أن العلم محترم جدا، بالرغم من بعض الامتعاض تجاه العلم بسبب تحميله مسؤولية بعض النتائج مثل القنبلة الهيدروجينية والتلوث. الإعلانات عادة ما تؤكد أن منتجا معينا قد أظهر بشكل علمي أنه أكثر بياضا أو أقوى أو أكثر جاذبية، أو أفضل بشكل ما من المنتجات المنافسة. والمقصود هو الإيحاء بأن تلك الدعاوي مؤسسة تأسيسا متينا وربما لا تقبل حتى المناقشة.

2) [هنا يتعرض الكاتب لتناول المتدينين المسيحيين لموضوع العلم والدين]
نشرت مؤخرا في إحدى الصحف دعاية "للعلم المسيحي" وكان عنوانها "العلم يتكلم ويقول أن الإنجيل المسيحي صحيح بالبرهان" واستمرت الدعاية لتخبرنا بأن "حتى العلماء أنفسهم يؤمنون به هذه الأيام". وهذا الأسلوب هو محاولة للإقناع [والوصول إلى نتيجة يتم الإيحاء بأنها صحيحة منطقيا ولكن لا عن دليل واضح بل] بمجرد الاعتماد على هيبة قائلها [وهو أسلوب يصنف كإستدلال زائف Logical Fallacy في كتب المنطق الغربية]. ولنا أن نتساءل عن أساس مثل تلك الهيبة والسلطة.

3) [هنا يشير إلى محاولة العلوم الاجتماعية تقليد العلوم الطبيعية]
الاحترام والتقدير للعلم لا نجده فقط في حياتنا اليومية ووسائل الإعلام الشعبية. فهو واضح أيضا في المجال العلمي والأكاديمي. فهناك عدد من مجالات البحث أصبحت تصنف من قبل داعميها بأنها علوم، ويبدو أن تلك محاولة للقول بأن الطرق المستخدمة فيها لها أساس قوي وربما بالتالي لها نتائج يعتمد عليها كما هو الحال في العلوم التقليدية مثل الفيزياء وعلم الأحياء.
العديد ممن هم في مجال العلوم الاجتماعية أو الإنسانية يتبنون مقولة لها تقريبا المؤدى التالي: "النجاح الذي لا شك فيه في الفيزياء في القرون الثلاثة الماضية يبدو أنه راجع إلى تطبيق طريقة معينة وهي الطريقة العلمية. وبالتالي، فتحقيق العلوم الاجتماعية والانسانية لنفس النجاح في
الفيزياء يتم أولا بفهم ومعرفة صياغة تلك الطريقة ثم بتطبيقها على العلوم الاجتماعية والانسانية." وهناك سؤالان أساسيان تبرزهما تلك المقولة، وهما: "ما هي تلك الطريقة العلمية التي يزعم بأنها مفتاح النجاح في الفيزياء؟" و "هل من المقبول نقل تلك الطريقة من مجال الفيزياء وتطبيقها في مجالات أخرى؟"
هناك أسئلة واهتمام واضح حول كيفية تميز المعرفة العلمية عن أنواع أخرى من المعارف، وحول التعريف الدقيق للطريقة العلمية. ولكن وكما سنرى فلا توجد إجابات سهلة ولا مباشرة لتلك الأسئلة.

4) [اليقين في العلم الحديث]
كما سنرى فإن فكرة "أن الخاصية الفريدة للمعرفة العلمية هي أنها تشتق من معلومات عن الواقع متعلقة بالتجربة"، يمكن الموافقة عليها ولكن بحذر وبشكل محدد جدا، هذا إن قبلت من الأساس.
سنجد أسبابا للشك فيما إن كانت المعلومات عن الواقع التي يتم تجميعها بالمشاهدة والتجربة هي بالفعل دقيقة ويمكن الاعتماد عليها كما كان يفترض تقليديا. كذلك سنجد أن بالإمكان بناء دفاع قوي لمقولة "أن المعرفة العلمية لا يمكن إثباتها بالقطع ولا نفيها بالقطع بالاعتماد على المعلومات عن الواقع".
بعض الحجج التي تدعم هذا الشك تستند إلى تحليل لطبيعة المشاهدة [بالمعنى العلمي Observation] ولطبيعة التفكير المنطقي وكفاءته [أو حدوده]. حجج أخرى أساسها دراسة تاريخ العلم والممارسة العلمية المعاصرة.


5)
إدراك
[1]أن النظريات العلمية لا يمكن إثباتها قطعا ولا نفيها قطعا
و[2]أن محاولات الفلاسفة للوصول إلى أساس فلسفي للعلم المعاصر لم تنجح في التعبير حقيقة عما يجري في العلم،
كان له ردود أفعال، أحدها هو التخلي تماما عن فكرة أن العلم المعاصر هو نشاط عقلاني يعمل وفق طريقة معينة.
وقد وصل الأمر ببعض الفلاسفة المعاصرين إلى القول بأن العلم الحديث ليس له خصائص مميزة تجعله أفضل من الخرافات القديمة.
ردود أفعال مثل تلك للصعوبات التي واجهت المحاولات التقليدية لفهم العلم والطريقة العلمية، ستتم مقاومتها [أو محاولة نقض حججها] في هذا الكتاب.

---- إنتهى.

تعقيب:

* يشير الكاتب في المقدمة إلى وجود موقفين متطرفين أحدهما ينزع إلى الإفراط في الثقة بالعلم الحديث والآخر إلى الإفراط في تبسيط الفكر العلمي أو الاستخفاف به. والموقفان مخطئان في فهم العلم الحديث.
وكرر ملاحظته "للاحترام" الذي يحظى به العلم، وهو يعني المبالغة التي ليس لها في الواقع أساس يدعمها. وفي المقابل هناك موقف يشعر الكاتب بأنه غير منصف تجاه العلم والعلماء المعاصرين ولا يعترف بأن لهم إنجازا يستحق الذكر. وما يسعى إليه الكاتب هو أن يعطي القاريء صورة واقعية عما يجري فعلا في العلوم المعاصرة وإعطاءها الاهتمام المناسب دون مبالغة أو انتقاص.


* في الفقرة الثانية يشير الكاتب إلى استخدام المتدينين المسيحيين للعلم (ككيان فكري له احترام عظيم في المجتمع، ومن باب "إن قال العلم شيئا فهو حق حتما" ) من أجل إقناع الناس العاديين بصحة معتقدهم. وقد أورد الكاتب ذلك المثال ليشير إلى الخطأ المنطقي (حسب تقديره) الذي وقعت فيه تلك الفئة من المتدينين، بسبب المبالغة في ظنهم بأن العلم على حق تام. ويبدو من كلامه أن ذلك الخطأ جعل تلك الدعاية الدينية تفقد مصداقيتها بالنسبة له.
بالمناسبة، ما يقوله الملحدون عادة هو أن مطالبة المتدينين بالإيمان بمفاهيم دينية دون مناقشة خاطيء منطقيا لنفس السبب. وهذه النقطة من أهم ما يثيرونه في نقاشاتهم مع المتدينين.
الكاتب لم يقلها، ولكن يبدو لي أنه قصد التلميح الى صحة موقف الملحدين، والله أعلم.
حل المشكلة حسب فهمي هو أولا في وضع العلم المعاصر في مكانه الصحيح كمجال للمعرفة ذو أساس ظني لا يتحقق فيه اليقين التام. وثانيا، بناءا على الخطوة السابقة تتم التفرقة بينه وبين الأساس اليقيني للدين.

* في الفقرة الرابعة استخدم الكاتب كلمة Fact ، وقد رأيتها تترجم مرار بأنها تعني "الحقيقة" ولكنها ليست المعنى الوحيد. فإحدى المعاني التي ذكرت في قاموس المورد لتلك الكلمة : "واقعية الشيء أو كونه مؤلفا من وقائع" ويبدو لي أنه المعنى الأقرب في سياق الحديث في العلم الحديث.
أعتقد أن التفرقة ضرورية بين كلمة "حقيقة" العربية التي قد تشير إلى معان تختلف عما هو مقصود من الكلمة الأجنبية، وبين تعبير "معلومات متعلقة بالواقع" وهو حسب فهمي المعنى المقابل لكلمة Fact عند استخدامها في الكلام العلمي المعتاد.

------------------------
القسم الثامن:
ملاحظات ختامية

* عادة ما أتحدث عن الدين بصفة عامة والعلم الحديث. وقد رأيت ملاحظات حول ضرورة التمييز بين الأديان.
ولكن ذلك لا ينافي أن المشاكل الفكرية التي يتعامل معها أهل الأديان عموما في مواجهتهم للإلحاد هي مشاكل متشابهة إن لم تكن متطابقة. من ناحية أخرى فالعلم الحديث ومنافعه المادية وتبعاته الفكرية كلها مستوردة، وقد يكون من المفيد فهم العلم ومشاكله وكيفية تناولها في بلاد المنشأ قبل أن نحاول التعامل معها عندنا.

* بسبب اهتمامي بالمسألة استخدمت عبارات قد يفهم منها أنني "أفتي" في مسألة ما، مثلا بأنه يجب على المسلمين تطوير منهج علمي إسلامي. فإن فهم أحد القراء الكرام ذلك فأود إيضاح أني لست في مقام الفتوى حتما في مجال الدين ولا أصلح حتى لإعطاء مشورة في مجال العلم الحديث أو الفلسفات المعاصرة، والأمر لأهله دون شك. هو حماس وربما مبالغة مني في تقدير أهمية الموضوع، فأرجو المعذرة.

الإخوة الكرام، حاولت تسجيل ما تجمع لدي من أفكار حول الموضوع، ولكن لا أستطيع الجزم بأني على صواب أو أن ليست هناك أخطاء فيما ذكرت من آراء. وأرجو من الفضلاء ممن يجد أخطاء أو لديه ملاحظات أو إضافات أن يتفضل مشكورا بذكرها، لعل هناك من يجد فائدة فيما كتب يوما ما.